تبدي غالبية اللبنانيين تعاطفاً كبيراً مع مأساة أهالي العسكريين الذين اختطفتهم وقتلتهم الجماعات الإرهابية في جرود عرسال. وهم الذين قاسوا ثلاثة عذابات، يوم خُطف أبناؤهم، ويوم طال انتظارهم، وحين عادوا شهداء.


لا تُلام الأمّهات الثكالى، ولا الآباء المفجوعون بغياب أبنائهم، على مواقف عاطفية يطلقونها في حمأة غضب أو ذروة لوعة، ولو كانت مواقف تنقصها الدقة أو تخضع للتأويل أحياناً. غير أن هذا المزيج العاطفي ــ السياسي في قضيّة العسكريين، في بلدٍ مثل لبنان تنغمس فيه السياسة بالإعلام والشائعة بالحدث و«الصيت» بالحقيقة، قد يُبنى على أساسه سياقٌ مضلّل للقضيّة نفسها. وتالياً، تغييب المسؤولين والمحرّضين والحاضنين لمنفّذي جريمة قتل العسكريين، في السياسة والأمن، عبر «همروجة» إعلامية جديدة، تطمس معالم «الخطيئة» الأصلية، التي ارتكبت عشيّة 2 آب 2014.
يوم أمس، أصرّ أهالي العسكريين الشهداء خلال لقائهم قائد الجيش العماد جوزف عون، ومن بعده وزير الدفاع يعقوب الصّراف ثم رئيس الحكومة سعد الحريري، على رفض حضور وزير الداخلية نهاد المشنوق، مراسم الاحتفال التكريمي للشهداء، الذي يحضّر له الجيش غداً الجمعة.
بنى أهالي الشهداء موقفهم من المشنوق، على كلام نُسب إليه في الماضي، وقوله: «قتلوهم ونعتبرهم شهداء وسنلصق صورهم على الحيطان»، ليأتي ردّ الوزير في بيان أمس، نافياً أي كلام من هذا النّوع. وربط أهالي العسكريين أيضاً، بين جريمة قتل أبنائهم، وعملية «الإخضاع» التي قامت بها قوى الأمن الداخلي في سجن رومية منتصف شهر كانون الثاني عام 2015 في مبنى «باء»، المعروف باسم مبنى الإرهاب، وكأن قتل الشهداء من قبل تنظيم «داعش» جاء ردّاً على العمل.
ليس دفاعاً عن وزير الداخلية، الذي ينتمي إلى فريق سياسي ومنظومة تمتدّ من الخليج إلى أميركا، تعتبر المسلّحين الإرهابيين في سوريا، ثوّاراً على حكم الرئيس السوري بشّار الأسد. لكنّ تظهير المشنوق وكأنه المذنب الوحيد في فاجعة وطنية من هذا النوع، ومن قبل أهالي العسكريين الشهداء تحديداً، يبرّئ تيّاراً سياسياً بأكمله من نهج اعتمده لسنوات، قائم على التحريض والتلفيق الإعلامي والأمني والرهانات الخاطئة. كذلك فإنه يطمس حقيقة ما حصل فعلاً في تلك الجريمة، ويمهّد لتحييد مسؤولين بارزين عمّا اقترفه «داعش» و«النصرة»، يوم كان التنظيمان الإرهابيان بالنسبة إلى هذا الفريق، السلاح الأفعل لإسقاط الأسد ومحاربة حزب الله، وقلب المعادلة الداخلية في لبنان. وهنا، وجب التذكير بالآتي:
أوّلاً، المشنوق هو وزير داخلية تيّار المستقبل، وهو يمثّل أمنيّاً وسياسياً رؤية الرئيس سعد الحريري، رئيس التّيار، سواءٌ أكان الحريري رئيساً للحكومة أم لم يكن. تماماً، كما كان الرئيس تمام سلام، مندوباً للحريري في رئاسة الحكومة.
ثانياً، العملية الأمنية التي قامت بها قوى الأمن الداخلي في رومية، هي نقطة مضيئة في سجل المؤسسة، بعد أن وصل تهديد المعتقلين الإسلاميين أمنياً، إلى حدّ إدارة عمليات انتحارية ضد مناطق لبنانية، انطلاقاً من رومية، بمعزل عن كيفية وصول هذا الملفّ إلى كلّ هذا التراكم ومن هو المسؤول عنه. فضلاً عن أن التحقيقات، إن كانت لدى الأمن العام اللبناني أو لدى استخبارات الجيش، وحتى لدى حزب الله، لم تكشف توقيتاً دقيقاً عن توقيت قتل العسكريين، حتى يجري الربط بين عملية رومية وإعدام العسكريين. في حين، اكتفى فيه الطبّ الشرعي بتحديد فترة الوفاة بعد الكشف على الجثامين، على تقدير الفترة بعامين.
ثالثاً، بدا مستغرباً طلب الأهالي من الحريري عدم حضور المشنوق. وكأن الحريري رئيس لتيّار آخر، غير تيّار المستقبل، الذي يمثّله المشنوق. إن كانت التهدئة الداخلية اللبنانية تتطلب «مسايرة» الحريري حرصاً على التسوية التي رُكّبت عشية انتخاب الرئيس ميشال عون، فمسألة العسكريين أمرٌ آخر، فيه دم وشهداء ومسؤوليّات وتاريخ. وبالتالي، لا يملك أحدٌ ترف تحوير الحقيقة عن مسارها. وما دام حديث المحاسبة قد فُتح، فلماذا لا يسائل أحدٌ الوسطاء الذين تدخّلوا عشية 2 آب و3 آب، عن دورهم، وعن الطرف المستفيد من هذا التدخّل في ذلك الحين، ومنهم الوزير السابق أشرف ريفي، والوزير الحالي جمال الجرّاح؟ ثمّ أليس واجباً سؤال النوّاب خالد الضاهر ومعين المرعبي ومحمد كبّارة عن المؤتمر الصحافي الذي عقدوه في اليوم التالي، ولم ينتج سوى تغطية للإرهابيين وتهويل ضد الجيش؟ ومن المفيد أيضاً، تذكير النائب عماد الحوت، الذي أصدر بياناً أمس رفَض فيه تحميل السياسيين مسؤولية ما حدث، عن فحوى دفاعه عن الإرهابي عماد جمعة، الذي اعتقله الجيش وكان سبباً في هجوم الإرهابيين على عرسال. أم أن جمعة، لا يزال «معارضاً سورياً» بالنسبة إلى الحوت، كما وصفه حينها؟
ولا بدّ أيضاً، من كشف محضر الاجتماع الذي جمع سلام والمشنوق والجرّاح، والاتصالات التي أجريت مع الحريري من بيروت إلى السعودية، وكيف كان انعكاسها على موقف الجيش في الميدان.
هذا لا يعفي الوزير المشنوق من صورة تقبيله جبين سالم الرافعي، الرئيس السابق لـ«هيئة العلماء المسلمين» التي لطالما كانت منبراً للتحريض على الجيش.
لكنّه غيضٌ من فيضٌ، عمّا يمكن أن تكشفه المحاسبة الحقيقية، وتحديد المسؤوليات عن فاجعة عرسال ومسرحية أحمد الأسير وملفّات كثيرة أخرى، تضيع في التسويات والبهلوانيات الإعلامية.
قبل أكثر من أربعة أعوام، أدلى العميد المتقاعد إبراهيم بشير، الأمين العام السابق للهيئة العليا للإغاثة، خلال التحقيقات القضائية معه، بمعلومات خطيرة عن صرف أموال الهيئة في إشعال المعارك في مدينة طرابلس، التي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى من الفقراء والمهمّشين. لم يحاسَب أحد ولم يستجوَب أحد ممن ذكرهم الرجل، الذي ظنّ أن تكبير الفضائح يحميه، وبدل ذلك، اختفى هو، «المذنب الوحيد»... في زنزانة!