بعد سنوات من الحماية والاحتضان الأمني والسياسي من قبل تيّار المستقبل، رُفع الغطاء عن الشيخ مصطفى الحجيري، المعروف بـ«أبو طاقيّة»، بعد أن مهّد توقيف ابنه عُبادة الحجيري، قبل أيام، وإدلاؤه باعترافات تكشف دور والده في دعم الجماعات الإرهابية في عرسال، لفتح ملفّاته، التي لم تكن خافية عن الأجهزة الأمنية.

ومّما لا شكّ فيه أن قيام الجيش اللبناني أمس بمداهمة منزل الحجيري في عرسال، الذي كان متوارياً عن الأنظار، ومن ثمّ انتشار الجيش في البلدة والبحث عنه، في قرار سياسي عسكري بتوقيفه، يحوز غطاء الرئيس سعد الحريري، عدا عن رئيس الجمهورية والاطراف السياسية الأخرى. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن الحجيري بات مطلوباً «رقم 1»، وسيتابع الجيش تعقّبه حتى توقيفه. والمرجّح أنه لجأ أمس إلى أحد مساجد البلدة، لثقته بأن الجيش لن يقوم بمداهمة المسجد. ملاحقة الحجيري، كواحدٍ من أبرز اللاعبين على الساحة العرسالية في المرحلة الماضية، التي استخدمت فيها الجماعات الإرهابية البلدة منطلقاً لترهيب اللبنانيين وكقاعدة انطلاق أمنية تهدد أمن لبنان وسوريا، فضلاً عن الجرائم التي ارتكبت بحقّ العراسلة والنازحين السوريين، تصبّ في خانة فتح ملفّات المرحلة الماضية التي يحرص فيها العهد الجديد على إعطاء صورة مغايرة عمّا سبق، انطلاقاً من ملفّ العسكريين الشهداء.

ومع أن الإجراء الأمني هذه المرّة يؤشّر إلى بدء مرحلة جديدة من القرار السياسي، تستكمل مرحلة القرار بشنّ معركة «فجر الجرود» ضد الإرهابيين، إلّا أن القلق كل القلق من أن تكون ملاحقة الحجيري مقدمة لاختصار المسؤولين عن تلك المرحلة والمقصّرين والذين أوقفوا الجيش عن تنفيذ مهماته، بحفنة من المطلوبين «الصغار»، قياساً بالإدارة السياسية التي تركت العسكريين لقمة سائغة لجلّاديهم.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاحتفال الذي يقيمه الجيش اليوم في وزارة الدفاع بحضور الرؤساء الثلاثة، تكريماً للعسكريين الشهداء وأهاليهم الذين تحمّلوا أعباء خطف أبنائهم وقتلهم، الذي وإن كان واجباً ولفتةً ضرورية لشهداء المؤسسة العسكرية، إلّا أنه لا يمكن أن يلغي ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الفاجعة الوطنية. ولا يمكن أيضاً حصر الأمر بموظّف أو اثنين، متّهمين الآن «إعلاميّاً» بالتقصير في ملفّ العسكريين، بينما يتمّ التغاضي عن مرحلة بأكلمها، كان دعم الإرهاب فيها من قبل أطراف وأسماء ونواب ووزراء ورجال دين وإعلاميين معروفين بالاسم، موقفاً سياسياً لا أكثر، كرهاً بالرئيس السوري بشار الأسد والمقاومة في لبنان. ويقيم الجيش احتفالاً رسميّاً وشعبياً حاشداً عند الساعة العاشرة من صباح اليوم في باحة وزارة الدفاع، على أن يتمّ بعدها نقل جثامين الشهداء إلى قراهم لتقام مراسم التشييع.

الانتخابات النيابية بعد الفرعية؟

ومع انشغال الرأي العام بقضية العسكريين، يواجه استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة خطراً حقيقيّاً، في ظلّ الانقسام الكبير بين الأطراف السياسية حول آلية تطبيق قانون الانتخاب الجديد. وللمرّة الثالثة، تجتمع اللجنة الوزارية المكلّفة بالبحث في تطبيق القانون، برئاسة رئيس الحكومة. وكانت الانقسامات السابقة لا تزال على حالها، مع تعنّت الأطراف وتمسّكها بمواقفها. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن مصير البطاقات الممغنطة لا يزال مجهولاً، مع انقسام حاد بين الأطراف حول ما إذا كان الاقتراع سيخضع للتسجيل المسبق إذا كان خارج مكان القيد، أو لا. ويتمسّك فريق حزب الله وحركة أمل والقوات اللبنانية بضرورة التسجيل المسبق، فيما يرفض التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل هذا الطرح. إلّا أن الأبرز في الجلسة كان ما قاله وزير الداخلية نهاد المشنوق أمام الوزراء المشاركين في الجلسة، عن أن وزارة الداخلية إن لم تبدأ عملها في الإعداد للانتخابات في بداية شهر تشرين الأول، فإنها ستكون عاجزة عن إجراء الانتخابات النيابية في نهاية الربيع المقبل. وأكّد أن هذا الأمر يتطلب حسم الاتفاق على آلية تطبيق القانون بحدود أقصاها 15 أيلول الحالي، حتى تتمكّن الوزارة من الانطلاق في عملها بعد أسبوعين، وإلّا فإن «الانتخابات في خطر»، فيما يبدو الاتفاق خلال المهل أمراً مستحيلاً!
وكان المشنوق قد أكّد في جلسة مجلس الوزراء أنه لن يطرح مسألة الانتخابات الفرعية في طرابلس وكسروان في الجلسة، بل في جلسة مقبلة في قصر بعبدا. ويبدو كلام المشنوق المكرّر، «تسويفاً» للانتخابات الفرعية، ترجمةً لقرار واضح من الحريري، وبغطاء من التيار الوطني الحر، بعدم إجراء الانتخابات الفرعية، كلّ لحساباته، علماً بأن وزير الداخلية كان قد أرسل مشاريع المراسيم المتعلقة بالانتخابات الفرعية منذ مدّة طويلة إلى رئاسة الحكومة.


القلق من أن تكون ملاحقة أبو طاقية
تغطية على «المتورّطين الكبار»




من جهة ثانية، ظهر أمس التباين الحاد في موقفي كتلة الوفاء للمقاومة والمكتب السياسي لتيار المستقبل، الذي انعقد أمس في «بيت الوسط» برئاسة نائب رئيسه باسم السبع، بعد بيانين متناقضين صدرا عن الطرفين. وفي حين توقّف بيان المستقبل عند «المواقف التي صدرت عن مسؤولين سعوديين بشأن لبنان»، في إشارة إلى موقف وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج تامر السبهان، والذي شنّ هجوماً حادّاً على حزب الله وهدّد اللبنانيين مطالباً إياهم بالوقوف ضد حزب الله أو معه، طالب بيان كتلة المقاومة بـ«تصويب العلاقات مع سوريا ومعالجة الشوائب التي تضر بالمصالح المشتركة والمتداخلة بين البلدين». وبينما اعتبر بيان المستقبل كلام السبهان «رسالة تنبيه يجب تلقفها والتعامل معها بكل جدية ومسؤولية»، وأن «الاستقرار السياسي لا يستقيم على قاعدة الإفراط المتواصل والبذيء في الاساءة للمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، على صورة ما يجري تداوله من خلال نواب واشخاص يدينون بالتبعية لحزب الله وبقايا العسس القائم على خدمة النظام السوري»، أكّد بيان المقاومة على أن «التطورات الايجابية في كل من لبنان وسوريا تسمح للدولتين بمقاربة موضوعية للعلاقات في ما بينهما تسهم إيجاباً في تخفيف الأعباء عن الشعبين الشقيقين ومعالجة عودة النازحين الطوعية الآمنة، وتدفع باتجاه إعادة تفعيل العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها في إطار الاحترام المتبادل بين البلدين، وتحقيق المصالح المشتركة».