عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق أول من أمس الخميس مؤتمراً، كان حاجة في هذه المرحلة التي يشهد فيها الميدان العسكري السوري تطورات مهمة تمثلت في الإنجازات الأخيرة للجيش السوري والقوى الحليفة له، الأمر الذي جعل السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، يقول إن نظام الرئيس بشار الأسد انتصر، وإن الرهانات على إسقاطه، وفي مقدمها الرهانات الأميركية والإسرائيلية والسعودية ــ الخليجية، قد سقطت.


ومثل هذا الكلام قاله مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي مستورا، داعياً المعارضة إلى التعقل وإعادة النظر في حساباتها. في هذا الجو عقد المؤتمر الذي اعتبر المركز أننا أصبحنا في مرحلة انتقالية نحو نظام جديد متعدد القطب، إقليمياً ودولياً، بعد سقوط النظام الأُحادي الذي مثلته الولايات المتحدة بعد انهيار جدار برلين عام ١٩٨٩، ومن ثم تفكك الاتحاد السوفياتي.
وقد ظلّلت الغارة الإسرائيلية على مصياف في الجبهة السورية المؤتمر الذي تمحور حول أدوار كل من روسيا وإيران وتركيا ومصر في صوغ نظام جديد للأمن الإقليمي بغية درء الأخطار التي يشكلها الإرهاب والاحتلال الصهيوني لفلسطين، ولما تمثله إسرائيل بأطماعها الجيوسياسية، وترسانتها النووية، من خطر على المنطقة، بل على العالم.

بين يلتسين وميدفيديف وبوتين

وقد لفتنا المتحدث الروسي الدكتور فياشيسلاف ماتوزوف في كلامه عن سياسة روسيا الجديدة وضرورة ترجمة الانتصار الميداني تعاوناً بين الأطراف الرئيسية لصوغ نظام يقوم على التعاون المشترك بعد فشل المشروع الأميركي في المنطقة. وكان قد أسهب في شرح العوامل التي دفعت روسيا إلى الانخراط في الحرب السورية، والمصالح التي تربطها بإيران، مؤكداً أن أي نظام إقليمي يجب أن تكون روسيا وإيران عماده الأساسي.
وقد طُرح عليه سؤالان محرجان عن صدقية روسيا مع اللبنانيين والعرب، وعلاقتها الغامضة، بل غير المفهومة، بإسرائيل عدوة العرب الأولى.
السؤال الأول أجاب عنه، أما الثاني فتهرب منه.
كان السؤال الأول: ما دامت روسيا صديقة للعرب وحليفة لهم وحريصة على مصالحهم، فلماذا لم تستعمل حق الفيتو في مجلس الأمن لدى إقراره القرار 1559 ثم القرار الآخر المتعلق بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان؟
فكان الجواب أن القرار الأول اتُّخذ في عهد رئيس «سكّير»، هو بوريس يلتسين. أما الثاني، ففي عهد ميدفيديف الذي كان يساير الأميركيين.
أما السؤال الثاني، الذي طرحته أنا عليه، فكان: تعرفون أن فلسطين هي القضية المركزية بالنسبة إلى العرب، وأن جميع أوجاعهم مسؤولة عنها الدولة العبرية، وأنتم اليوم شركاء في الدفاع عن سوريا في حرب لإسرائيل دور مهم فيها، وتستعدون اليوم لقطف ثمار الانتصار، فهل يغيب عن بالكم أن معظم مشاكل المنطقة ناجمة عن زرع إسرائيل غدّة سرطانية فيها، اغتصبت أرض فلسطين وشردت شعبها، وها هو الرئيس بوتين يطمئن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، الإرهابي بامتياز، إلى أن روسيا ستضمن ابتعاد مقاتلي إيران و«حزب الله» مسافة تراوح بين ٣٠ و٤٠ كيلومتراً من حدودها مع سوريا في الجولان، أي أنها تعمل لضمان أمن إسرائيل التي تقوم بمناورة عسكرية تقوم على محاكاة لغزو لبنان والقضاء على «حزب الله». ولا نستبعد أن يكون الرئيس الروسي قد تعهد لرئيس حكومة العدو بأن النظام المقبل في سوريا لن يكون معادياً لإسرائيل، ولا نستغرب ذلك، في ظل هذا الاحتضان للعدو الإسرائيلي الذي قامت طائراته أمس بغارة على موقع في مصياف تابع للجيش السوري ــ ولا نستغرب ان يكون هناك تفاهم مع روسيا على استباحة العدو الأجواء السورية، برضا روسي. وهذا ما لم نفهمه في ظل أحدث وسائل الدفاع الجوي التي زود الروس جنودهم في سوريا بها؟

حرية في الأجواء السعودية للطائرات الإسرائيلية

وتذكرت، في عرضي لهذا اللغز الروسي، زيارة قمت بها مع عدد من الصحافيين الأميركيين في ثمانينيات القرن الماضي لقاعدة خميس مشيط الجوية المهمة في الصحراء السعودية، وصادف مروري هناك بضابط كان يتابع أجساماً طائرة فوق القاعدة على رادار أمامه، فتوقفت وسألته، بفضول الصحافي: «ما هي الأجسام التي تتحرك على شاشتك؟». فأجابني: «إنها طائرات إسرائيلية»، ففوجئت بتحليقها بحرية في الأجواء السعودية، وسألته مجدداً: «لماذا لا تسقطونها؟»، أجاب: «ليست لدينا أوامر». وأضاف: «انظر معي جيداً، ماذا ترى خلف الطائرات؟». قلت: «إشارات متقاربة»، قال: «إنه سرب يحرسها، فإذا ما تصدينا لها فستدمّر القاعدة». وكان سؤالي الأخير: «لمن الإمرة في هذه القاعدة؟»، أجاب: «إنها لضابط أميركي»!
لا جواب من الدكتور فياشيسلاف الذي ردّ على السؤال الأول وأعطى الكلام لزميل آخر على المنصة.

«علاقات إسرائيلية غير مسبوقة» مع عرب الخليج

وكنت قد بدأت صباحي أول من أمس، بما يمكن وصفه بمقدمة للسؤال ومفتاح لتذكّر زيارة خميس مشيط. فقد بثت «بي بي سي» العربية خبراً عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، تحدث فيه عن «إنجازات» حكومته خلال هذه السنة، وأهمها «إنجازات سرية تمثلت في تعاون مع دول عربية ليست لإسرائيل اتفاقات سلام معها، وهي أوسع نطاقاً من أي مرحلة سابقة»، وباستيضاح الإذاعة أحد المحللين الإسرائيليين، قال: «إنها علاقات وأكثر من الاتصالات، رغم كونها سرية، وقد استجدّت بعد قمة الرياض الأخيرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونقل من الرياض إلى تل أبيب أفكاراً تداولها والسعوديين حول التسوية الممكنة مع الفلسطينيين والمؤتمر الإقليمي الذي يقترحه لحل النزاع العربي ــ الإسرائيلي». وعندما سُئل عن الدول المعنية بتصريح نتنياهو، قال: «بالطبع السعودية ودول عربية أخرى في الخليج التي تعتبر أن هناك عدواً مشتركاً بينها وبين إسرائيل هو إيران». وسألته المذيعة عمّا يمكن أن تفيد هذه الدول من إسرائيل، فأجاب: «إن مجالات التعاون واسعة، فلدى إسرائيل خبرة في مكافحة الإرهاب، كما في العلوم والتطوير، وخصوصاً تحلية المياه».
وهنا قلت في نفسي: هل نحن الذين نعتبر إسرائيل عدوة لنا ولكل العرب، صحراويين كانوا أو مدينيين، مجموعة أغبياء أو مغالين و«مرضى» في وطنيتهم؟

«ابن عمك» وابنة دايان

قبل سنوات كنت أشارك في حلقة دراسية نظمها المركز الدولي للصحافيين المحترفين في مدينة دروي بشمال فرنسا، وقد فاجأني صديقي برنار مارغريت، منظم الحلقة، بقوله: «أريد أن أعرّفك إلى ابن عمك»، فقلت له: «أنا هنا ليس لدي أبناء عمّ». فقال: «هذا صحافي إسرائيلي يريد التعرف إليك». فقلت، وأنا أتظاهر بأني مرتبط بموعد خارج مقر الحلقة: «عفواً، لا أريد أن أكون فظّاً، لكن ما أريدك أن تعرفه أنّ مرافقك ينتمي إلى دولة معادية اغتصبت أرض فلسطين وشرّدت شعبها، ولا تزال تنكّل بمن بقي منهم هناك، وأنا أعتبره عدواً لي ولشعبي، وخصوصاً أن دولته تحتل جزءاً عزيزاً من أرض وطني لبنان في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وقد طردت جيشه مقاومة شعبية لبنانية من أراضٍ في الجنوب والبقاع الغربي عام 2000، وتحاول إسرائيل تدمير بلدي والاستيلاء على ثروته المائية والغازية والنفطية، لذلك أرجوك أن تبلغه بوجوب عدم الاقتراب مني، وتغيير خط سيره إذا تفاجأ بي، خدمة لك وله»!
وحدث أن دُعيت بعد حرب تموز إلى مؤتمر دولي عُقد في إسطنبول في شهر أيلول بعنوان «الدفاع عن الدول الصغيرة في حال اندلاع حروب»، وقد ألقيت محاضرة، من وحي حرب تموز وضحاياها والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، البلد الصغير الذي قلت إنه تقع على الأمم المتحدة مسؤولية الدفاع عنه، وهو الذي لم يعرف الاستقرار منذ اغتصاب الصهاينة لفلسطين وتشريد أهلها، علماً أن لبنان يحضن بضع مئات ألوف منهم لا يزالون يعيشون منذ قرابة سبعين سنة في مخيمات البؤس والذل.
وكنت قد رفضت ترؤس جلسة يشارك فيها إسرائيليون، فأُخرجوا منها من دون أن يغيبوا عني، إذ فوجئت مرة لدى خروجي من إحدى القاعات بسيدة تتقدم مني قائلة: «مستر صعب أنا غايل دايان»، فقلت: «تشرفنا. أنا فلسطيني، والدك كان مجرماً في حق شعبي، ولا أريد التحدث معك. فأنتم الصهاينة أعداؤنا حتى تعيدوا لنا بلادنا». فوجئت المرأة بموقفي العدائي، وراحت تعدد لي أسماء اللبنانيين الذين تعرفهم، فقلت لها: «قد تعرفين جميع اللبنانيين، ولكن يبقى لبناني واحد أنت الآن أمامه يرفض التحدث اليكِ»... ومضيت.

جامعة الشعوب العربية

إن كلام نتنياهو عن العلاقات «غير المسبوقة» مع بعض العرب يستفز شعورنا القومي ويستدعي فتح تحقيق في الأمر وإحالة المتعاملين مع الدولة العبرية على محكمة عدل عربية، والبحث في إمكان إقامة جامعة للشعوب العربية ترعى مصالحها، وتدافع عن الحق والعدالة، على أن تتحول الجامعة الحالية «جامعة الصداقة العربية ــ الإسرائيلية»، وهي الصيغة التي تناسب رعاة العرب المتأسرلين.