يَرتاد رضا ذاك المقهى «العابر للقارّات». هناك عند «الكورنيش» البحري في بيروت. يأتي متأبّطاً حقيبته الرثّة، وفيها أوراق عمله. هو زبون ليلي، لكنّه، في الوقت عينه، يأتي إلى هنا لبيع «سلعة»... لا يَملكها. هنا يلتقي زبائنه. ماذا يبيع رضا؟ جنسيّات. أها! كيف؟ يُخرِج أوراقه ويبدأ الشرح.


يَعرف أنّ جليسه ليس زبوناً حقيقيّاً، لكنّه يَطمع، بعد الشرح، أن يُحوّله إلى مروّج له بين معارفه. لا بأس. هناك جزيرة في الكاريبي اسمها «دومينيكا». صغيرة جدّاً وعدد سكّانها نحو 75 ألفاً. كانت تحت سُلطة بريطانيا إلى أن نالت «استقلالها» في سبعينيات القرن الماضي. هذه الجزيرة، أو الدولة، تبيع جنسيّتها (علناً) ضمن إطار قانوني. عليك أن تستثمر فيها بمبلغ 100 ألف دولار حتى تحصل على الجنسيّة. تُصبِح دومينيكيّاً. تأخذها مباشرة، وأيضاً، وهنا ميزة إضافيّة، أنت لا تحتاج أن تقيم فيها. لا تُعجبك دومينيكا؟ حسناً، ما رأيك بجزيرة «غرينادا»؟ هذه دولة «مستقلّة» (عن التاج البريطاني) ضمن جزر الأنتيل في الكاريبي أيضاً.


يُمكن النظر إلى تجارة الجنسيّة كمؤشّر
ومقياس للاضطراب
الذي يشهده العالم
هذه تبيع جنسيّتها، بالشروط المذكورة عند جارتها، أو بالأحرى اللاشروط، باستثناء حيازة المال، إلّا أنّ المبلغ يرتفع هنا إلى 500 ألف دولار. هذه أغلى، لكنّها أجمل. دعك مِنها، ما رأيك بدولة «أنتيغوا وباربودا»؟ هذه عبارة عن أرخبيل مِن عدّة جزر صغيرة في المنطقة نفسها. هنا سعر الجنسيّة 250 ألف دولار. يُقرَن الترويج لشراء هذه الجنسيّات، وغيرها مِن مثيلاتها، بعدد الدول التي يؤهلك جواز سفرها للدخول إليها بلا تأشيرة. الأخيرة مثلاً تتيح لك الدخول إلى 140 دولة.
يتعب رضا مِن الشرح. لم ينجح إلى الآن في بيع أيّ جنسيّة مذ بدأ نشاطه هذا. كان بلا عمل ويحتاج مالاً، فرغّبه «سمسار» فوقه بذلك، والأخير، وهو لبناني، لديه مكتب شرعي في دبي، وقد أصبح وكيلاً مُعتمداً لبعض تلك الدول البائعة. في الشكل، ومِن حيث الأوراق، كلّ شيء قانوني. تقرأ عن المسألة في المواقع الحكوميّة لتلك الدول، فتجد أن المسألة واقعيّة. ظاهرة بيع الجنسيّة ليست حديثة، لكن لأسباب عالميّة كثيرة، راجت خلال السنوات الأخيرة بنحو لافت، إضافة إلى تضاؤل القيود القديمة إلى حدّ الصفر، مثل الإقامة، ليظلّ الشرط الوحيد هو: امتلاك المال. في بريطانيا، بالمناسبة، هناك شيء مِن هذا، لكن فضلاً عن شرط الإقامة، فإنّ المبلغ المطلوب استثماره في البلاد هو 10 ملايين دولار. كذلك الأمر في فرنسا. قبرص أيضاً (مِن 4 إلى 6 ملايين دولار تقريباً - البيع هناك نشط لكونها أوروبيّة ولأسباب أخرى). الولايات المتّحدة الأميركيّة لديها نظامها الخاص (إي بي 5) في موضوع شراء الجنسيّة، إذ يبدأ مِن نصف مليون دولار، لكن بشروط إضافيّة أكثر تعقيداً (الصينيّون أكثر الشارين). هناك أصوات برلمانيّة مُعارضة لهذه السياسات في الدول الكبرى، لأسباب كثيرة، إلّا أنّها تظلّ موجودة، رغم التعديلات التي تُجرى باستمرار. صندوق النقد الدولي على علم بالأموال التي تدخل مختلف البلاد مِن خلال هذا «القطاع».
في تقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانيّة» عن الظاهرة، قديماً وحديثاً، يُنقل عن سيّدة يمنيّة اشترت، قبل نحو 3 سنوات، الجنسيّة المالطيّة بنحو 900 ألف دولار. سيّدة ثريّة فرّت مع عائلتها مِن اليمن إثر اندلاع المعارك. طائرة تابعة للأمم المتّحدة أجلتهم مِن هناك إلى الجزيرة في المتوسّط. للأثرياء هذا الخيار. هذه الظاهرة في اتساع، والسماسرة يتزايدون، وخاصّة في البلاد المنكوبة أو المُهدّدة بالنكبات. كثيرون اشتروا جنسيّات في السرّ. سيكتشف مَن حولهم هذا الأمر في اللحظة الحرجة عندما يرون الطائرات تحملهم مِن بينهم. هذا دافع، لكنّ هناك دوافع أخرى لشراء الجنسيّات، كالتهرّب مِن الضرائب وعمليّات تبييض الأموال والتجارة في الممنوع، فضلاً عن المهمّات التجسّسيّة، وما إلى ذلك مِن نشاطات «العوالم السريّة». يَنقل التقرير البريطاني عن بول وليامز، وهو مِن شركة متخصّصة في إصدار جنسيّات وإقامات مزدوجة داخل أوروبا، أنّ «تجارة الجنسيّة يُمكن النظر إليها كمؤشّر ومقياس للاضطراب الذي يشهده العالم». شيء ما في القيم الكونيّة، في مسألة القوميّات والوطنيّات، تحوّل ويتحوّل... لكن للأثرياء فقط. هذه اللازمة الأزليّة التي لم تتغيّر. يَحصل هذا في زمن الردّة على «الكوزموبوليتيّة». هنا المفارقة. ربّما «للأثرياء فقط» تُغنينا عن تحليل إضافي.
لا يزال رضا يبحث عن زبائن في بيروت. أخبره ذاك الذي هو «فوقه» أنّ أرقام شراء الجنسيّات تشهد ارتفاعاً بين الخليجيين. هؤلاء الذين زاد بينهم الشعور بالقلق في أوطانهم أخيراً (كما لاحظ). مِن سوء حظّ صاحبنا، الأربعيني الباحث عن «رزقة»، ولو «لحسة إصبع» عابرة، أنّ أهل الخليج لا يرتادون لبنان كثيراً هذه الأيّام. يسعى رضا، مِن موقعه الصغير في الشبكة، إلى كسب مبالغ صغيرة للعيش «العادي». يتحدّث عن ملايين الدولارت، فيما هو لا يَملك مِنها شيئاً. هذا «اغتراب» حديث. يواظب على الجلوس في المقهى الشهير، إيّاه، الذي تملكه «شركة متعدّدة الجنسيّات»... بحثاً عمّن يشتري جنسيّات.