إن الحكومات، رغبة منها في الحفاظ على كيانها وبقائها وخلق الثقة بها على المستوى الوطني والدولي، تسعى الى تحقيق أهداف ذات نفع عام ولا سيما زيادة الناتج الوطني، ومعالجة عجز الموازنة والمديونية العامة وتحسين وضع ميزان المدفوعات والميزان التجاري، وتشجيع الادخار والاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة والقضاء على البطالة، والمحافظة على سلامة النقد الوطني، ومكافحة التضخم، وتقديم الخدمات العامة وتحسين جودتها ونوعيتها وخفض كلفتها، والتوزيع العادل للدخل والثروة بين أفراد المجتمع وشرائحه.


وتسعى الدولة عادة الى تحقيق هذه الأهداف بالوسائل المالية المتاحة لديها من موازنة عامة وضرائب ورسوم وقروض وإصدار النقد والإنفاق العام، وهذا الأخير يعتبر من أهم هذه الوسائل المالية.
التدخل بواسطة الإنفاق العام يكون بزيادة هذا الإنفاق أو خفضه، أو زيادته في أوجه معينة وخفضه في أوجه أخرى، مثل زيادة الرواتب والأجور في القطاع العام لتحفيز الطلب وزيادة الإنتاج، والإنفاق على التجهيز والإنشاء لبناء وإعادة بناء البنى التحتية التي من شأنها تنشيط الاقتصاد الوطني.


الحكومات اللبنانية
لم تلتزم قواعد الإنفاق
ولم تحقق أهدافه

لذلك يقتضي على الحكومة أن تراعي في إنفاقها قواعد الإنفاق العامة، أي أن يستهدف الإنفاق الحكومي المنفعة العامة. وأن يكون إنفاقاً اقتصادياً وبإذن من السلطات الشرعية. فالنفقات العمومية لم تعد ذات طبيعة استهلاكية وذات مردود سلبي في الحياة الاقتصادية، بل صارت ذات طبيعة إنتاجية تؤثر بصورة مباشرة على الدخل الوطني وذات دور إيجابي في العمل على توزيع الثروة وتحقيق مشروعات اقتصادية واجتماعية تهدف الى تنمية الاقتصاد الوطني.
إن النفقات العامة آخذة في الازدياد، ويرى البعض ضرورة وضع حد لهذا الازدياد، لأن تجاوز هذا الحد يلحق الضرر بالمصلحة العامة، في حين يرى خبراء المال الحديثون أن طريقة توزيع النفقات العمومية أهم من وضع حد لازديادها. إذ من المفيد أن تزيد النفقات المنتجة الى أقصى حد ممكن وأن تنقص النفقات غير المنتجة، فالمهم في الأمر تأثير كل نفقة على الاقتصاد الوطني وعلى الرفاه الاجتماعي، إذ إن هذا التأثير أهم من قيمة النفقة بالأرقام.
وهنا لا بدّ من التمييز بين الإنفاق الاستهلاكي الذي ينبغي التقليل منه باعتباره غير منتج، والإنفاق الاستثماري الذي يفترض زيادته باعتباره منتجاً، فالمقصود بالإنفاق الاستهلاكي أثمان المواد والخدمات الاستهلاكية واللوازم المكتبية والإدارية والأدوية والمواد المخبرية والمبيدات والمياه والكهرباء والأسمدة والبذور والشتول والنصوب والمحروقات، وإيجارات المكاتب والمدارس والعقارات وصيانتها، والبريد والإعلانات والتأمين، والتنظيف، والأعياد والتمثيل واستئجار السيارات والآليات، ومخصصات الرؤساء والوزراء والنواب، ورواتب الموظفين وأجور الأجراء وأتعاب المتعاملين والمستشارين، ومعاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة والتعويضات العائلية وتقديمات المرض والأمومة والزواج والوفاة والولادة والمنح المدرسية والاستشفاء والمساهمات في تعاونية موظفي الدولة وصناديق التعاضد، والمساهمات في النفقات التشغيلية للرواتب والأجور للمؤسسات العامة في القطاع العام ولهيئات لا تتوخى الربح وعطاءات خاصة في القطاع الخاص، وفوائد الدين العام، واحتياطي نفقات طارئة واستثنائية ونفقات مختلفة شتى.
أما الإنفاق الاستثماري فيقصد به أثمان الأراضي والأبنية والاستملاكات والطرق والمرافئ والمطارات، والإنشاءات المائية والكهربائية والأثاث والمفروشات والتجهيزات الفنية، ونفقات الصيانة والدروس والاستشارات والمراقبة.
ونحن نرى أن بعض النفقات، من الوجهة الاقتصادية والمالية المحض، يجب أن تخفض وأن تكون محدودة لأنها تحدث نقصاً في الإنتاج الوطني، ومن هذه النفقات: النفقات الإدارية البحتة، النفقات التي تحول من قطاع منتج إلى قطاع غير منتج ونفقات المشاريع الباهظة التكاليف بالنسبة إلى المشاريع المماثلة في القطاع الخاص إلخ...
ولا بد هنا من الإشارة الى أن الإنفاق الاستهلاكي له جانب إنتاجي وليس كله غير منتج، إذ إن الدولة لا تسير وفقاً للاعتبارات الاقتصادية والمالية فقط، بل وفقاً لاعتبارات اجتماعية أو سياسية أيضاً، إذ قد تكون إحدى النفقات عديمة الفائدة بالنسبة إلى الاقتصاد، لكنها ضرورية من الوجهة الاجتماعية كمساعدة المحتاجين والفقراء وإيواء العجزة والمشردين إلخ...
إن الدولة في العصر الحديث تأخذ من البعض لتعطي البعض الآخر، فمجموع المبالغ التي توزعها الدولة على المواطنين (كنفقات عامة) تساوي مجموع المبالغ المقتطعة من مداخيلهم وثرواتهم (الضرائب)، وإعادة توزيع الثروة هذه من قبل الدولة تقوم على فكرة اقتطاع قسم من ثروة الموسرين لتوزيعها على أصحاب المداخيل القليلة، فكرة تضامن المجتمع بكامله، فكرة التضامن الوطني، فكرة المساعدة على إنماء ثروة البلاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هذا التطور في مفهوم النفقات العمومية أدى الى التطوير في مفهوم «توازن الموازنة»، من التوازن المالي الى التوازن العام في المجتمع والاقتصاد الوطني.
إن الإنفاق العام يؤثر على زيادة الدخل القومي، ويجب أن لا يفسر ذلك على إطلاقه، إذ تلعب الاستثمارات في القطاع الخاص دوراً مهماً في زيادة الدخل، أما بالنسبة إلى علاقة الإنفاق العام بالاستثمار الخاص، فإن الأول يعتبر حافزاً ومشجعاً لاطراد الثاني ونموه. إن الأثر الأساسي والهدف من الإنفاق العام هو التأثير في توزيع الثروة بين الأفراد. فالضرائب والنفقات العامة تؤدي بالضرورة الى تقليل ثراء البعض وزيادة ثراء البعض الآخر. كما أن الإنفاق العام يمكن، بل يجب، أن يلعب دوراً فعالاً وإيجابياً في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية عن طريق ما يترتب عليه من آثار اقتصادية على الدخل والاستثمار والتوزيع والاستقرار الاقتصادي بوجه عام.
وبالعودة الى الإنفاق العام في لبنان، فإن المسألة الأساس هي: هل هذا الإنفاق يحقق الغايات المنوه عنها أعلاه، ولا سيما تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي؟ وبالتالي هل يعكس هذا الإنفاق خطة حكومية واقتصادية؟ وهل هو مبرر قانونياً واقتصادياً؟ وما هي جدواه؟
إن الحكومات اللبنانية، منذ عام 1993، لم تلتزم معظم قواعد الإنفاق ولم تحقق أياً من أهدافه، وذلك كما هو ظاهر في موازنات الدولة أو مشاريع موازناتها وحساباتها المالية غير المصادق عليها حتى الآن.
* مدير المؤسسة اللبنانية
للخدمة الضريبية