الجواب يكمن في خصائص الإنفاق الحكومي منذ ما يزيد عن العقدين، ويكمن أيضاً في مشروع موازنة الدولة لعام 2017 والتي تعكس هذه الخصائص، وأهم هذه الخصائص:

أولاً: الازدياد المطرد في الإنفاق الحكومي، حيث ارتفعت النفقات العامة السنوية من 2096 مليار ل.ل. عام 1993 الى 19517 مليار ل.ل. عام 2016 أي حوالى تسعة أضعاف ونصف. وبنسب سنوية غير متوازنة تتراوح بين 2% و126% في حين شهدت بعض السنوات نسباً سالبة. وهذا يدل على انتفاء التخطيط الحكومي.

ثانياً: تعاظم الإنفاق الاستهلاكي وانخفاض الإنفاق الترسملي (البنى التحتية). وفقاً لحسابات الدولة المالية غيرالمصدقة لغاية تاريخه، فإن الإنفاق الحكومي الفعلي منذ عام 1993 ولغاية عام 2011 بلغ /168589/ مليار ل.ل. منها /155411/ مليار ل.ل. إنفاق استهلاكي (الإنفاق الجاري) ونسبته 92.1%، أما الإنفاق على البنى التحتية فبلغ /13178/ مليار ل.ل. ونسبته 8.7% في حين كانت نسبة الإنفاق الاستثماري الملحوظ في مشاريع الموازنات (بما فيها موازنة عام 2017) تصل الى 12% ولكنها تتدنى الى 8% فعلياً. وهذا يفسر تراجع المرافق العامة الخدماتية ولا سيما الكهرباء والماء والصحة والتعليم والطرقات والجسور وغيرها، واضطرار المواطن الى الحصول على هذه الخدمات من مصادر بديلة في القطاع الخاص، ما شكل عبئاً كبيراً على مداخيل الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وأدى الى تراجع القوة الشرائية للرواتب والأجور حيث كان تصحيحها مؤخراً لهذا السبب وحده واجب الوجوب، بالإضافة الى أن هذا الإنفاق ينفي ادعاء الحكومات بأن الدين العام كان لتغطية الإنفاق على البنى التحتية، لأن هذا الإنفاق كما هو واضح كان بمعظمه لتغطية النفقات الاستهلاكية فقط.
ثالثاً: مساهمة الإنفاق العام في تركيز وتعاظم الثروات ويتبين ذلك من خلال خدمة الدين العام والكهرباء والنفقات الاجتماعية.

.1. فوائد الدين العام: إن القروض العامة (الدين العام) هي من أهم مصادر الأموال غير العادية للدولة (إيرادات استثنائية) وتستخدم عادة لتمويل المشروعات العامة المكلفة (البنى التحتية)، ولسد عجز الموازنة العامة وأحياناً الخزينة، فإذا أحسن اختيارها وأسلوب إصدارها وطرق استخدامها حققت نتائج جيدة. لكن سياسة الاقتراض العام في لبنان أدت الى نتائج كارثية اقتصادية أو اجتماعية ومنها:
‌أ. نمو الدين العام حيث تجاوز الـ 75 مليار دولار ما يساوي تقريباً 140% من الإنتاج الوطني.
‌ب. نمو فوائد الدين العام حيث بلغت فوائده من عام 1993 ولغاية 2016 حوالى /106204/ مليار ل.ل. وهي تشكل نسبة 41% من مجموع الإنفاق العام الذي بلغ لغاية 2016 ما مجموعه /259269/ مليار ل.ل. وقد وصلت هذه النسبة في بعض السنوات الى 52% (2000 - 2001 - 2002). في حين بلغت هذه الفوائد نسبة 58% من واردات الدولة المحصلة عن ذات الفترة والتي بلغت /183447/ مليار ل.ل. ويلاحظ أيضاً أن هذه النسبة وصلت في بعض السنوات الى 141 و99% (السنوات 1996 - 1997 - 2000 - 2001).


تركيز الثروة في أيدي فئة
قليلة ولا سيما العائلات التي
تملك المصارف


‌ج. زيادة معدلات الفائدة على الدين العام التي وصلت عام 1992 الى حوالى 36.7% وتراجعت عام 1997 الى حوالى 20.5% وهي معدلات تفوق المعدلات السائدة في الأسواق العالمية بعدة نقاط مئوية.
‌د. تعاظم ربحية المصارف التي حصلت على حوالى ثلثي فوائد الدين العام، كذلك حصول بعض الأثرياء على حصة من هذه الفوائد، دون أن تفرض أي ضريبة على هذه الفوائد لغاية شباط عام 2003، أدت بمجملها الى تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة في لبنان ولا سيما العائلات التي تملك المصارف، وتنامي ثرواتهم على حساب الخزينة وفئات المجتمع العاملة (موظفين، مستخدمين، أساتذة، عمال وفلاحين...).
‌ه. شكلت آلية الدين العام مضخة كبيرة تضخ الثروة من جيوب الجماهير الشعبية إلى الأثرياء والموسرين مما وسّع الفروقات بين فئات المجتمع وهيّأ البيئة اللازمة للاضطراب الاجتماعي وعدم الاستقرار الاقتصادي.
‌و. زيادة العبء الضريبي على المواطنين لا سيما الطبقات الضعيفة وذلك لتمويل عجز الموازنات الناجم أساساً عن تعاظم خدمة الدين العام، وكذلك لتمويل سلسلة الرتب والرواتب الجديدة التي كان يمكن تمويلها بدون فرض أي ضريبة، وذلك عن طريق ضبط الهدر في الإنفاق فقط.
.2. انخفاض الإنفاق الاجتماعي: تتبنى الدولة الحديثة فلسفة اجتماعية تقوم على رفع مستوى المعيشة وتحرير المواطن من الحاجة، لذلك تعمد الدولة إلى إعداد أنظمة خاصة بتحسين شروط معيشة الموظفين والعمال والمستخدمين أو بضمانهم صحياً واجتماعياً، والتوسع في خدمات التعليم والصحة والسكن والإنفاق على الحاجات العامة التي تتصل بالفقراء والمرضى والعجز والمعتوهين مما يساعد على إعادة توزيع الدخل والثروة لصالحهم. ولا شك في أن هذه النفقات من شأنها أن تحسن أوضاع الذين يستفيدون منها تحسيناً كبيراً من جميع النواحي ولا سيما الناحيتين الجسمانية والذهنية بحيث تزيد إنتاجية عملهم زيادة كبيرة جداً.
إن الحكومات اللبنانية أهملت الإنفاق على الشأن الاجتماعي، حيث ان النفقات الحكومية على التربية والتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والإسكان والثقافة والرياضة والإعلام لم تتجاوز في المتوسط 15% من الإنفاق العام حتى أنها انخفضت في مشروع موازنة عام 2017 الى 11.5%.
إن هذا المستوى من الإنفاق الاجتماعي يثبت مسؤولية الحكومات عن فشل السياسات الاجتماعية المعتمدة ومخالفتها للدستور ولميثاق الطائف اللذين نصا على الإنماء المتوازن للمناطق اللبنانية كافة وهو الأمر الذي لم يحصل منذ عام 1990 ولغاية تاريخه هذا فضلاً عن الهدر والفساد في الإنفاق الاجتماعي.
.3. الإنفاق على الكهرباء: إن مشكلة كهرباء لبنان والعجز الذي ترتبه على الخزينة اللبنانية يجب أن يكون الشغل الشاغل للحكومة وجميع المواطنين، وينبغي أن يكون واضحاً للجميع أنّه لم يعد بإمكان المالية العامة ولا الاقتصاد اللبناني الاستمرار في تمويل مؤسسة كهرباء لبنان من خزينة الدولة.
لقد بلغت الأموال المدفوعة عن مؤسسة كهرباء لبنان لغاية عام 2016 فقط حوالى /22687/ مليون دولار يضاف إليها حوالى /9200/ مليون دولار فوائد على هذه المبالغ ليصبح المجموع /31887/ مليون دولار (32 مليار دولار أميركي) ومع ذلك فالكهرباء شبه مقطوعة عن مناطق واسعة في لبنان. علماً بأن هذا الإنفاق يؤدي أيضاً الى زيادة الفروقات في الثروات خاصة إذا علمنا أنه يمول النفقات التشغيلية لمؤسسة الكهرباء ولا سيما المحروقات التي تستفيد منها شركات الغاز والنفط وهي تشكل شركة محاصة واحدة بالإضافة الى أصحاب النفوذ الذين يسرقون التيار الكهربائي لتشغيل معاملهم وفنادقهم ومطاعمهم ومسابحهم... لذلك يقتضي معالجة مسألة الكهرباء معالجة جذرية تستوجب مقاربات مختلفة وسياسات جدية وصارمة على جميع الأصعدة ومنها الحد من الهدر التقني، ومنع الهدر غير التقني (سرقة التيار الكهربائي)، تحسين الجباية، حل مسألة الامتيازات ووضع تعرفة بيع جديدة.
.4. الرواتب والأجور: إن كتلة الأجور مع معاشات التقاعد تتنامى بشكل بطيء وبنسبة لا تتجاوز في بعض الأحيان 1%. في حين أن نسبتها الى الإنفاق العام تنخفض باستمرار ومنذ عام 1993، حيث وصلت نسبتها الى الإنفاق العام 33% في حين كانت 46% عام 1993. ويقتضي الأمر أن يكون معلوماً من الجميع أن الرواتب والأجور وملحقاتها تتضمن مخصصات السلطات العامة (الرؤساء والنواب والوزراء).
إن انخفاض القدرة الشرائية للرواتب والأجور في القطاع العام يؤدي الى انخفاض في الطلب الكلي على الاستهلاك ويكبح بالتالي حركة النمو الاقتصادي، بل قد يؤدي الى الانكماش الاقتصادي. وما يزيد في تناقص القوة الشرائية للراتب في القطاع العام هو حجم الاقتطاع الضريبي الذي يزيد عبؤه بكثير عن الاقتطاع الضريبي للمكلف الخاضع للضريبة سواء كان تاجراً أو صناعياً أو صاحب مهنة حرة فرداً أو شركة.
إن ضريبة الدخل المقتطعة على الرواتب عن السنوات 2003 ولغاية 2014 ضمناً تساوي 67% من ضريبة الدخل التي يدفعها الرأسماليون، ففي حين تبلغ نسبة ضريبة الدخل على الأرباح 6.36% من واردات الموازنة، فإن نسبة ضريبة الدخل على الرواتب والأجور تشكل 4.21% من واردات الموازنة العامة.
إن الإنفاق الحكومي منذ عام 1993 الى عام 2016 كان مصاباً بالخلل الكبير واتسم بتهميش الإنفاق على القطاعات المنتجة، الزراعية والصناعية وانخفاض الإنفاق على الشؤون الاجتماعية والتركيز على ثلاثة بنود رئيسية وهي: خدمة الدين العام، مؤسسة كهرباء لبنان، الرواتب والأجور.
وهذا التركيز أدى الى تفاقم الفروقات بين طبقات المجتمع ومناطقه والى تعاظم الاختلال في التوازن الاقتصادي والاجتماعي، واستمرار هذا الخلل سيؤدي حتماً الى الانفجار الكبير... فهل من يسمع ويتدارك الأمر قبل فوات الأوان. فيعتمد سياسة إنفاقية جديدة تقوم على زيادة الإنفاق على البنى التحتية، وتخفيضه على الإنفاق الجاري وخفض خدمة الدين العام، وذلك في إطار سياسة عكسية لما هو معتمد الآن.
* مدير المؤسسة اللبنانية للخدمة الضريبية