منذ بضع سنوات، لزّمت إدارة الطيران المدني، بالتراضي، عقد إزالة ردميات واستصلاح أرض العقار 1245، الواقعة ضمن حرم مطار بيروت الدولي، بحجّة أن الأرض فيها أشجار تشكّل خطراً على السلامة العامة في المطار. مبررات التلزيم أثارت شبهات العديد من موظفي المطار، إذ لم يشتكِ سابقاً أيّ من أجهزة المطار من الأشجار البريّة التي نمت في هذا العقار، رغم أن شركة "ميز" لزّمت قطع الأشجار وتشحيلها لشخص من آل العريضي، من دون توسيع العقد نحو "إزالة ردميات واستصلاح أرض".


كذلك، ليس خافياً على أحد أنه ليست هناك ردميات متراكمة في العقار المذكور، وليس هناك موجب لاستصلاحه بعدما جرت تسويته إثر استملاكه في عام 1997 ليكون جزءاً من مشروع توسعة المطار يخصّص للسوق الحرّة.
هذه المعطيات وصلت إلى التفتيش المركزي، فأوعزت رئاسة التفتيش بإجراء تحقيق عن العقد وتطبيقه في ضوء المعطيات الواردة عن سرقة كمية كبيرة من الرمول تقدّر بملايين الدولارات. وبحسب التحقيق الأوّلي، فإن العقد الممنوح لأحد المتعهدين على العقار 1245 المملوك من الدولة اللبنانية / مجلس الإنماء والإعمار يتضمن حتماً سرقة رمول، إلا أن تقدير هذه الكميات ليس ممكناً بشكل دقيق في ضوء صعوبة الكشف على العقار 1245. فالعقد هو عقد إزالة ردميات واستصلاح أرض، لكن من الواضح أن هناك "حفرية" كبيرة في العقار المذكور، وأن هناك عمليات استخراج الرمول وتعبئتها في شاحنات ونقلها عبر مخرج واحد يقع على أوتوستراد الاوزاعي عند بداية النفق الموصل إلى خلدة. وما يعزّز الشبهات أن هذه الأرض كانت مسيّجة، ما يحول دون وصول الردميات إليها، لا بل من الواضح أنها قطعة أرض رملية تحتوي على نوع من الرمل المستخدم في الإنشاءات، وهي رمول بحريّة تتطلب غسلها بطريقة خاصة قبل استعمالها، إلا أن سعر مبيعها وجودتها يبرران كلفة الغسل والاستخراج.


عندما بدأت أنباء سرقة الرمول تتسرب إلى العلن بدأ تقاذف
التهم بين مسؤولي المطار

وكان صعباً على المفتشين المكلفين بإجراء التحقيق التصديق بأن هناك حاجة إلى تلزيم عقد استصلاح أرض على عقار يقع ضمن المخطط التوجيهي لتوسعة المطار، وهو مخصص ليكون سوقاً حرّة، إذ لزّم مجلس الإنماء والإعمار لشركة سبسبي في عام 1999 أعمال تأهيل العقار المذكور، وقد اشترط التلزيم في حينه أن تكون أعمال نقل الرمول ضمن حفرية لا تتجاوز ارتفاع أرض أوتوستراد خلدة ــ الاوزاعي. وقد تبيّن أن هذه الشركة عملت على تسوية الأرض ضمن منحدر بسيط يبدأ من تحت تصوينة المطار وصولاً إلى طريق عام الأوزاعي، إلا أنه منذ ذلك الوقت نمت أشجار بريّة في هذه الأرض، وقد أوكل إلى شركة "ميز" المسؤولة عن الصيانة في حرم المطار تجاه مجلس الإنماء والإعمار مهمة تشحيل وقطع الأشخاص، وقد جرى تلزيم هذا الأمر سنوياً لشخص من آل العريضي. وهذا يعني أنه ليس هناك ما يستدعي أو ما يجدي للقيام بعملية استصلاح لأرض ليس فيها منحدرات وقليلة العرض، ما يحول هندسياً دون أي إمكانية للاستصلاح والتجليل، علماً بأن غالبية عقود استصلاح الأرض وإزالة الردميات تكون مخصصة لسرقة الرمول بذريعة الاستصلاح والتجليل.
وكان واضحاً لدى الجهات التي أجرت التحقيق أن الأشجار في هذه العقار لم تشكّل يوماً حاجباً للرؤية أو عائقاً أمام أبراج المراقبة العائدة لجهاز أمن المطار الذي يملك برجين؛ الأول عند حدود أملاك المطار التي تحدّ العقار المذكور شمالاً، والثاني فوق نفق الأوزاعي، أي عند نهاية العقار المذكور جنوباً. وتشير التحقيقات إلى أنه سبق لعدد من تجار الرمول أن قدموا طلبات استخراج الرمول من إدارة الطيران المدني مقابل مبالغ مالية، إلا أن الإدارة رفضت مراراً هذا الأمر بسبب تخصيص الأرض للسوق الحرّة.
ومن التحقيقات تبيّن أن المهندسة جمانة عرابي لفتت نظر رؤسائها خطّياً إلى ما يحصل، فأحالت كتاباً تسأل فيه عن طبيعة العقد مع المتعهد والأعمال الملزمة وتنفيذها والبدل المالي، فأتاها الجواب شفهياً: "الموضوع أكبر منك". وتعكس هذه الإجابة حقيقة ما يحصل، إذ إن وزارة البيئة عندما منحت موافقتها على إزالة الردميات واستصلاح الأرض، اشترطت في كتاب مسجّل لدى مكتب وزير الأشغال أن موافقتها محصورة بنقل الأتربة والردميات من دون استخراج أيّ مواد من جوف الأرض. وعندما بدأت أنباء سرقة الرمول تتسرب إلى العلن، بدأ رئيس المطار والمدير العام للطيران المدني ومديرية المطارات يتقاذفون التهم في ما بينهم حول التورّط في ذلك.
ويتبيّن أن حجم الحفرة الناتجة من أعمال سرقة الرمول كبير جداً، إذ إن الأرض انخفضت إلى ما دون مستوى سطح البحر، ما يعني أن الكمية المستخرجة من الرمول كبيرة، وتقدر بعشرات آلاف الأمتار المكعبة، وقيمتها تزيد على عدة ملايين من الدولارات.
هذه المعطيات دفعت رئيس التفتيش إلى تأليف لجنة خاصة للتحقيق في ملف سرقة رمول المطار التي يقال إن مراجع كبيرة تغطّي المتعهد الذي كان يعمل بتغطية من مرجعية سياسية معروفة في المنطقة، قبل أن ينتقل إلى مرجعية سياسية أخرى.




من أرسلان إلى الحريري إلى الدولة

في البحث عن أصل العقار 1245، تبيّن أنه كان مملوكاً من الأمير محمد أرسلان. هذا الأخير باع الأرض في عام 1992 لشركة البهاء العقارية. بهاء رفيق الحريري هو أبرز مالكي هذه الشركة، ويحمل 88% من أسهمها، إلى جانب حصص تمثيلية لكل من صافي كالو، وجميل بيرم، وميسم اللادقي، وحسين غسان وطاهر فضل الله. ومن مؤسّسي هذه الشركة فؤاد السنيورة وبهيج طبارة وعارف منيمنة. أما المفاجأة، فهي أن هذه الأرض وقعت ضمن تخطيط الاستملاك لمشروع توسعة المطار، وقد استملكها مجلس الإنماء والإعمار في آذار 1997.
إذاً، المرحوم رفيق الحريري اشترى هذه الأرض قبل بضع سنوات من استملاكها من قبل الدولة، محقّقاً أرباحاً ريعية بملايين الدولارات موّلت من المال العام. أما اليوم، فهناك من يحاول استغلال ريع هذه الأرض للحصول على ما في جوفها من رمول تستعمل في الإنشاءات العقارية. هذه الأرض تسرق مرتين.