زيدت الضريبة على القيمة المُضافة بنسبة 1 في المئة. الآن سيموت «الشعب اللبناني». هذا، تقريباً، ما يُقال لنا. الضريبة هي «شرّ مُطلق». هذا ما أسّست له، كمفهوم ثابت، جماعات مِن «النخب المزيّفة» التي أوكلت إلى نفسها صياغة الرأي العام. ما لم تُربَط قضيّة الضرائب بالفساد، مِن حيث المبدأ، فإنّ كلّ ما يُقال في ذمّها سيكون تجهيلاً. في الدنمارك، البلد الذي تربّع على عرش الدول الأكثر سعادة، تبلغ الضريبة نحو 55 في المئة. ضريبة هائلة.


هناك حيث الضرائب الأعلى في العالم، لكن، في المقابل، حيث الفساد الأقلّ في العالم. هناك حيث دُعي، لأكثر مِن مرّة، إلى استفتاء شعبي لخفض الضرائب، فما كان مِن الأكثريّة الشعبيّة إلا أن رفضت ذلك. أصبح الأمر ثقافة عندهم. فلتأخذ السُلطة ما شاءت مِن ضرائب ما دام التعليم، وهو مِن الأعلى جودة عالميّاً، بالمجّان. كذلك ما دامت الطبابة مجانيّة، والموت على أبواب المستشفيات ليس عادة، و«المُدن الرياضيّة» المنتشرة في البلاد، للصغار والكبار، يدخلها الفرد مجّاناً، فيُمارس رياضته ويَلعب ويَمرح؛ اللائحة تطول. خذوا ما شئتم ما دام الفساد يكاد ينعدم. ما دام هناك أمن اجتماعي. هناك حيث لا تُزاد ضريبة إلا بعد دراسات علميّة مستفيضة، اقتصاديّة واجتماعيّة، لا كما هنا، عندنا، حيث يرتجلها، في لحظة، نائب لا أحد يَنظر إليه إلا كجاهل تافه. هذا جزء مِن الأمان النفسي.


تصل الضريبة
في الدنمارك إلى
55 في المئة
والناس يُسارعون إلى دفعها طواعية


زيدت الضريبة في لبنان 1 في المئة. ماذا الآن؟ الثري سيظلّ ثريّاً والفقير سيبقى فقيراً. لِمَ هذا التفجّع مِن الزيادة؟ لِمَ يُراد للناس أن يُصدّقوا أن هذه الزيادة هي الكارثة؟ هناك مَن سيَسرقها كما كان يسرق ما قبلها. النظام هو نفسه. الفقير قبل هذه الزيادة هو نفسه الفقير بعدها. كان قبلها لا يُمكنه شراء تلك السلعة، أمّا الآن، بعد الزيادة، فهو أيضاً غير قادر على شرائها. شيء كان ثمنه 100 ألف ليرة، مثلاً، زاد ثمنه الآن ألف ليرة، ما الذي يعنيه هذا لشخص هو لا يَملك ربع المبلغ الأصلي أساساً؟ كلّ النقاش الدائر في البلاد، هذه الأيّام، لا يعني هذا الشخص. هو خارج اللعبة أصلاً. آه، سيزيد الآن ثمن كيلو الموز الذي كان يشتريه لعياله؟ أساساً هل هنالك سعر ثابت لكيلو الموز؟ ذاك البقّال يبيعه بـ2000 ليرة، فرضاً، فيما بقّال آخر، في الشارع نفسه، بل في الزاروب نفسه، يَبيعه بـ2250 ليرة. الموز افتراضي هنا. إنّها مسألة مراقبة الأسعار وضبطها. حكاية الفساد ذاته. هذا قائم قبل زيادة الضريبة وقائم بعدها. إن كان النقاش الدائر في البلاد، حول الضريبة، ومعه البكاء والعويل والندب، تجده لا يعنيك، أو لا تفهمه، وبالتالي يُشعرك بـ«الحمرنة»... فلا بأس. هذا شعور طبيعي. هذا دليل عافية. ما يحصل أصلاً هو «استحمار» ممنهج.
شخص يتقاضى الحدّ الأدنى للأجور، يعني أقل مِن 700 ألف ليرة، في بلد لم يَعد يجد فيه شقّة للإيجار، مِن غرفتين فقط، بأقلّ مِن الحدّ الأدنى المذكور... هذا ما الذي يعنيه له أن تزيد الضريبة 1 في المئة؟! شخص، هو نفسه، لا يَملك 5 ملايين ليرة كقسط مدرسي سنوي لطفله، قسط وسطي لتعليم وسطي، هذا ستشغل باله زيادة 1 في المئة على الضريبة؟! أيضع طفله في «مسلخ» يَنتحل صفة مدرسة حكوميّة؟ هذه المدارس التي ما مِن زعيم، ولا مستزلم عند زعيم، ولو كان مِن الدرجة العاشرة، يضع أولاده فيها. هؤلاء الذين يستحقّون، لو كان لدينا، «روبن هود» مِن نوع ما، أن يُفرض عليهم، بتهديد مُسلّح، تسجيل أولادهم في تلك المدارس الحكوميّة، وبالتالي إجبارهم على رفع مستواها والاهتمام بها، تحت طائلة صفع كلّ مَن يَتملّص مِنهم ويضع ابنه في مدرسة خاصّة. يُمكن أن تكون العقوبة صفعاً جماعيّاً، مثل الحكم بـ100 صفعة، ينفّذها بحق أحدهم 100 مواطن مِن الذين فُرِض عليهم وضع أولادهم في تلك «المسالخ» الحكوميّة. هؤلاء، الناس، الذين أُجبروا على تذوّق مرارة التضحية بمستقبل فلذات أكبادهم. الذين تصالحوا مع ضياع ثمار أعمارهم.
لسنا الدنمارك ولا السويد، طبعاً، لكن هي الفكرة. في السويد تصل نسبة الضرائب إلى 57 في المئة. عام 2013 جاءت «وكالة الضرائب» هناك في المرتبة الثانية كأفضل مؤسسة حكومية لجهة السُمعة وقبول الناس، لكن، وبالتوازي معها، حلّت «وكالة حماية المُستهلك» في المرتبة الأولى. هذا يُلخّص كل شيء. هناك أيضاً تَرفض الأكثريّة الشعبيّة خفض الضرائب. سلوك غريب (بالنسبة إلينا). السلع غالية، جدّاً، ولكنها تُصبح مقبولة عندما يكون الفرد على ثقة بأنّ الضرائب التي يدفعها ستعود إليه ككائن اجتماعي. لديهم هناك مثل شعبي يقول: «النحلة تلسع لكنّها تُعطينا العسل». هذه هي. أمّا عندنا، فإنّ «نحلنا» (السياسي) يَلسع أيضاً، لكن يُعطينا... شيئاً آخر تماماً.