عندما يقول «سبعة» عن نفسه إنه «عصري» فهو يقصد أن الآخرين ليسوا على الموضة. وفي هذه يبدو «سبعة» محقاً. صحيح أن «أمينه العام»، جاد داغر، كان عضواً سابقاً في حزب الكتائب اللبنانية لمدة إثني عشر عاماً، وهذه صفة «غير عصرية»، واسم «الكتائب» يقترن بلا وعي باسم «النجادة»، لكن الرجل لديه ما يعوّض ذلك. يقول مقربون منه إنه يملك شركة تطبع العملات للمصارف المركزية حول العالم، وشركة شحن، وثالثة للاستيراد والتصدير. لديه منزل جميل و«عصري»، في منطقة السيوفي، في حيٍّ راقٍ. والأمين العام صورة عن حزبه لجهة العصرية، إذ يملك سيارة «فيراري»، كما يشير أحد المشاركين في تأسيس الحزب.


في هذه الأجواء يطرح الحزب نفسه بديلاً جاداً عن كل الآخرين. يحمل «شعلة» المجتمع المدني ضدّ الفساد. إلا أنّ معلومات يتم تناقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد أنه ليس مستقلاً تماماً عن «الآخرين»، أو عن الموجودين في الدولة. يقول متابعون إن «أحد القياديين البارزين في الحزب، وهو خبير اقتصادي، كان قد طالب منذ فترة بمحاكمة الخبراء والصحافيين الاقتصاديين الذين عارضوا السياسات المالية والاقتصادية الرسمية». وعلينا أن لا ننسى، أن إحدى شركات داغر (Dk GROUP) تتعامل مع مصرف لبنان المركزي، كما يقول مقرّبون منه.
في المركز الرئيس لحزب «سبعة»، التقينا أمينه العام جاد داغر للحديث عن كلّ هذه التفاصيل. الأمين العام كان متحمّساً جداً. قبل كل شيء، بدأ الحديث عن «الديموقراطية». يقول إن حزبه «يرتكز عليها، وعلى عدم وجود المناصب داخله. هناك فقط مكتب تنفيذي يدير الملفات ويُنتخب من قبل المنتسبين». لكن المفارقة أن أمين عام الحزب نفسه، وجد نفسه في الأمانة العامة.


اختار المؤسسون
اللون البنفسجي
للتميّز عن بقية الألوان التي استهلكتها الأحزاب اللبنانية

قبل عام، بالضبط، في 19 تشرين الأول 2016، أعلن عن انطلاقة الحزب، في مؤتمر صحافي في مركزه ببدارو (العصرية). منذ ذلك الوقت، ما انفك الحزب يطرح نفسه حزباً عابراً للطوائف والمناطق، وتجربة سياسية جديدة، يقول إنها ستحدث تغييراً على صعيد الحكم وإدارته في البلد، وإنه سيعطي أملاً كبيراً للمواطنين. ولهذا الحزب رؤية طريفة: «نؤمن بمبدأ التغيير الديموقراطي من داخل السلطات، ولا يوجد أي نفع من التحرك في الشارع»، كما أكد لنا داغر. وهذه رؤية، للمفارقة، تلتقي مع رؤية المصارف وكبار الشركات، وربما «نقابة سائقي سيارات الفراري»، إن وجد شيء من هذا النوع. في أية حال، يؤكد داغر أنهم في «سبعة» لن يرفعوا شعاراً مطلبياً لا اليوم، ولا لاحقاً... إنما عملهم «يدور في إطار مختلف يرتكز على التواصل المباشر مع المواطنين في كل منطقة والاستماع لاحتياجاتهم ثمّ إدراجها ضمن ملفات يتابعها المختصّون داخل الحزب لتكون من أهداف أعمالهم وبرامجهم الانتخابية». فليتدبر المواطنون أمرهم، «سبعة» حزب «طليعي». وبهدف ذلك أنشأ مراكز عدة له في المناطق. للأمانة أبواب الحزب مفتوحة للراغبين في الانتساب أو التفرغ داخل هيئاته، لتشكل «شبكة بشرية متنوعة الخبرات والكفاءات يمكن الاستفادة منها في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية»، يقول داغر. يتحضر «سبعة» لخوض الانتخابات النيابية المقبلة، ويقوم «قياديوه» بجولات في المناطق. يحملون اللون البنفسجي، أما الحملة فتحمل اسماً لا يخلو من الطرافة: «إبتسامة وطن». فتح المجال «لمن يرغب من المواطنين في الترشح خارج المحادل الانتخابية المعمِّرة»، يؤكد داغر من دون أي شروح إضافية، باستثناء ملاحظة هامة: «الحزب سيأخذ على عاتقه تكاليف الترشح المادية ومصاريف العملية الانتخابية».
بالنسبة لكثيرين، يبدو «سبعة» جسماً سياسياً غريباً عن السائد، وفكرة وجوده في بلد كلبنان مستوحاة من تجارب دول غربية وعصرية، ربما لا تشبه واقعنا. خلال حديثنا معه، استشهد أمينه العام في حديثه بتجارب خارجية متبنياً طروحاتها وأساليبها ونهجها. لكن ماذا عن لبنان؟ لبنان ليس إيطاليا كي تتقمص سبعة «حركة النجوم الخمسة الإيطالية» وفكرة خلق منصة «ملك المجتمع وبيد المواطن» قد تصل إلى مراكز القرار، عوضاً عن صعوبتها، تفتقد إلى مقوّماتها. المجتمع اللبناني ليس مجتمعاً مقسّماً أفقياً وتحكمه طبقة سياسية واحدة، إنما طبقات سياسية عدة مقسّمة وقسّمت المجتمع بدورها عمودياً، لتصبح كل طبقة تمتلك قسماً من هذا المجتمع، فيتبع لها وتديره وفقاً لمشاريعها وأهدافها سواء المرتبطة داخلياً أو خارجياً. وهذه ترجمة المحادل فعلياً. العمل بالمسار الصحيح والمجدي يكون في تفكيك هذه الأعمدة، لتستطيع دمج المجتمع وإجماعه، وإلّا فإنّ إضافة عمود جديد بأوجه جديدة مقابل كل أعمدة السلطة المتبقية، حتى لو كان يمثل فئة اجتماعية مستقلة ما هو إلا جزء إضافي في التقسيم وفقاً لشكل النظام الحاكم حيث يكمن أساس المشكلة في إدارة البلد. هذا الحديث، بطبيعة الحال، بالنسبة لحزب «سبعة»، ليس «عصرياً»، بما يكفي.
إلى جانب السياسة، بمعناها النظري، وفي بلد «الارتهانات الخارجية»، من الطبيعي والمحق أن يسأل الناس من أي رحمٍ خرج هذا الحزب، وكيف له تحمّل كل هذه التكاليف المالية الباهظة من الإعلانات إلى المراكز والتجهيزات. انتقادات وأسئلة كثيرة تُوجّه في هذا الصدد من المتابعين. وفي محاولة للرد، يعرض «سبعة» على موقعه الإلكتروني، تحت خانة أسماها «الشفافية المالية»، تقارير تعرض المساهمات المالية (أسماء المتمولين والمبالغ التي تبرعوا بها) إضافةً إلى بيانات النفقات المالية المفصّلة. ووفقاً لأمينها العام فـ«سبعة» عيّن «على نفسه» شركة تدقيق مالية لبنانية لتفادي «الالتباسات». بحسب أحد الناشطين، فإن أحد المموّلين، المذكورين على «لائحة الشفافية»، دفع 75 ألف دولار، وهذا مثير للاهتمام. «الناشط» على معرفة شخصية بالمتمول، وهو يعتقد أن الأخير لا يملك مبلغاً كهذا: «ربما، بس مش مبيّن عليه»، يقول الناشط ضاحكاً. قبل أن نسأله عن التمويل، تحدث داغر عن الموضوع: «التمويل يأتي منذ البداية من قبل أصدقاء تربطنا بهم علاقات شخصية ووضعهم المالي جيد. وعندما طرحنا عليهم فكرة إنشاء الحزب وأفكاره وأهدافه، كانوا من المتحمسين وآمنوا بنا وتخلوا عن جزء من أموالهم التي كان بإمكانهم أن يسافروا بها أو يرفّهوا عن أنفسهم، ووضعوها في خدمة الحزب باسم حب الوطن».
فعلاً الدنيا بألف خير. نتحدث عن حملات إعلانية ضخمة. مركز فخم في وسط بدارو مع تجهيزاته. خمسة مراكز أخرى في المناطق، مجهزة تماماً. أشخاص متفرغون للحزب. جولات على كافة الأراضي اللبنانية. مؤتمرات واحتفالات في فنادق «خمس نجوم». إطلاق حملة انتخابية مع تبني تكاليف الترشح. وكي لا ننسى: إعلام داعم («أم تي في» خصصت حلقة كاملة من برنامج «بموضوعية» لحزب «سبعة» العصري، في وقت كانت الحلقة مخصصة لما عُرِف بـ«الحراك المدني»، قبل أن يختفي الأخير). وها هو «سبعة» الآن يعلن عن حملة التبرعات الوطنية، تحت ذريعة أنه يرفض التمويل الخارجي، وأن هذا منصوص عليه في نظامه الداخلي، غير القابل للتعديل: «سبعة حزب المواطن ومموّل من المواطن». أليس هذا طريفاً أيضاً؟