أخيراً، اختُتمت مسرحية إقرار موازنة عام 2017، وحازت أصوات 61 نائباً، ومعارضة نواب الكتائب والنائب بطرس حرب (4 أصوات)، وامتناع كلّ من نواب حزب الله والقوات والنائب نجيب ميقاتي عن التصويت (8 أصوات). المشهد الأكثر إثارة للضحك في العرض الذي قُدّم في قاعة مجلس النواب هو النقاش الذي دار حول النفقات التي أدرجتها وزارة الماليّة في المشروع الأوّلي للموازنة، والتخفيضات التي أدخلتها لجنة المال عليها، قبل إرسال مشروع القانون معدّلاً إلى مجلس النواب للتصديق عليه.


والسبب هو أن أغلب النفقات المُقدرة في مشروع الموازنة صرفت، ما دفع باتجاه إزالة تخفيضات لجنة المال عنها، لا بل أضيفت إليها نفقات أخرى نُقلت من احتياطي الموازنة. انتهى العرض، وتبيّن أن الدعاية الترويجيّة التي ركّزت على ضرورة التسريع في إقرار موازنة لإعادة الانتظام إلى الماليّة العامّة، تندرج في خانة الإعلان الركيك الذي لا يعبّر عن المضمون الحقيقي.
في الواقع، لم يحبك «الممثلون على الشعب» خيوط القصة باحترافية، وبدلاً من أن تتخذ السلطة مجتمعة قرارات جريئة تقضي بتخفيض خدمة الدين العام التي تستنزف ثلث نفقات الموازنة، فضّلت الإبقاء على سياسة دفع الفوائد المُرتفعة، وجرى إلهاء الناس بالحديث عن تخفيف "الهدر" في دعم القروض الاستثماريّة، وصندوق التعويضات المنصوص عليه في قانون الإيجارات، ودور الأيتام وكبار السن، والمنح الطالبية في الاختصاصات الزراعية، وغيرها... ليتبيّن أن مبلغ الـ1004 مليارات ليرة الذي تحدّثت عنه لجنة المال والموازنة بوصفه وفراً، لم يكن أكثر من فقّاعة سرعان ما اندثرت، مع بدء التصديق على بنود النفقات بنداً بنداً. وبحسب وزير المال علي حسن خليل، فإن «أرقام الموازنة زادت 200 مليار ليرة بعد التصديق على بنود النفقات»، وتحدث عن ارتفاع في العجز بسبب إلغاء رزمة من الضرائب التي تضمّنها مشروع الموزانة والتصديق على مجموعة من الإعفاءات الضريبيّة غير المُبرّرة! في حين تمسّك النائب ابراهيم كنعان بـ«إنجاز لجنته»، مؤكّداً أن هناك وفراً تحقّق، وقدّره بنحو 300 مليار ليرة.

نفقات بالطالع ونفقات ... بالطالع أيضاً!


إعفاء المتهرّبين من الضريبة
من الغرامات وإسقاط
الضرائب بعد 5 سنوات


توصّل النواب خلال التصديق على بنود المادتين الأولى والثانية المتعلّقتين بأرقام الموازنة العامّة والموازنات المُلحقة والاعتمادات التي فتحت فيها (النفقات) إلى: إضافة 100 مليون ليرة إلى موازنة رئاسة الجمهورية. إلغاء التخفيضات التي ألحقت بموازنة رئاسة مجلس الوزراء والمُخصّصة للـUNDP والطوائف والإحصاء المركزي والمديرية العامة لأمن الدولة. إلغاء التخفيضات التي لحقت بوزارة الداخلية والبلديات وإضافة نحو 13 ملياراً إليها من احتياطي الموازنة. إلغاء التخفيضات على موازنة وزارة المالية، والتي طاولت المشاريع الاقتصادية ودعم القروض الاستثمارية. إضافة مبلغ 12 ملياراً إلى موازنة وزارة الدفاع مخصّصة للتجهيزات الفنية والمعلوماتية والتدريبات في الخارج. إلغاء تخفيض بقيمة 30 ملياراً في موازنة وزارة التربية مخصّص للمدارس المجانية. إضافة 10 مليارات إلى موازنة وزارة الصحة للصليب الأحمر لقاء مساهماته في عملية فجر الجرود. إلغاء تخفيض بقيمة 450 مليوناً للـUNDP في موازنة وزارة الاقتصاد. إضافة 150 ملياراً إلى موازنة وزارة الطاقة لحماية حوض الليطاني. وأيضاً إلغاء التخفيضات التي أدرجت على نفقات وزارات الزراعة والإعلام والشباب والرياضة والشؤون الاجتماعية، فضلاً عن إلغاء التخفيض اللاحق بالاحتياطي، والبالغ نحو 600 مليار ليرة، فيما تمّ تنزيل مليارين من موازنة وزارة الطاقة من أصل 6.025 مليارات مخصّصة لجمعية خاصّة (المركز اللبناني للطاقة)، و4 مليارات من موازنة مديرية اليانصيب، و151.5 ملياراً من موازنة وزارة الاتصالات. في المقابل، تمّ الاتفاق على تصحيح احتساب الواردات وإضافتها بناءً على ما ورد من تعديلات على النفقات.

مكافآت للمتهرّبين وإعفاءات بالجملة

تحت ضغط إقرار الموازنة، تمّت محاولة لتهريب «تسوية مخالفات البناء الحاصلة منذ 13/9/1971» بعد أن عدّلت لجنة المال والموازنة نصّها الأساسي المرسل من الحكومة، إلّا أنها أحيلت إلى لجنة الإدارة والعدل لدراستها وإعادتها إلى مجلس النواب في مهلة شهر واحد. لكن تمّ تهريب مجموعة من الإعفاءات الضريبيّة التي أضافتها لجنة المال والموازنة، ووصفها وزير المال بـ«فرسان الموازنة»؛ فقد جرى تخفيض رسم إشغال الاملاك العمومية الى ربع ما كان في مشروع الحكومة، ليصبح الرسم عن كل متر مربع في بيروت والمناطق المحيطة بها ضمن مسافة 5 كيلومترات بقيمة 250 ألف ليرة، وفي مراكز المحافظات والمناطق المحيطة بها ضمن مسافة 5 كيلومترات بقيمة 125 ألف ليرة، وفي مراكز الأقضية والمناطق المحيطة بها ضمن مسافة 5 كيلومترات بقيمة 62.5 ألف ليرة، وبقيمة 25 ألف ليرة في الأماكن الأخرى، ولم يعارض هذا التخفيض إلا نواب حزب الله وحركة أمل فقط.
وتمت المصادقة على مجموعة من التخفيضات الضريبيّة تطال غرامات التحقق والتحصيل بنسبة 85%، والغرامات الواجبة على متأخرات أوامر التحصيل الواردة من الإدارات والمؤسسات العامة، ورسوم الميكانيك والرسوم البلدية، والرسوم البلدية على المؤسسات السياحية بنسبة 90%، على أن تسدّد قبل آخر شباط 2018، وإعفاء تحويل الشركات من الضرائب والرسوم.
كذلك أسقط النواب مادة متعلّقة باستيفاء نسبة 1% على حساب ضريبة الدخل عند الاستيراد والتصدير، وهي ضريبة جديدة أضافتها وزارة الماليّة للحدّ من التهرّب الضريبي نتيجة إنشاء شركات استيراد وإلغائها للتهرّب من دفع الضرائب الواجبة، ولم يعترض إلا نواب حزب الله وحركة أمل. كذلك ألغيت مادة متعلّقة برسم الطابع المالي (4 بالألف) التي سبق إقرارها في القانون 45 معدّلاً، فضلاً عن إعفاء المكلّف من موجب تسديد الضريبة الصادرة بموجب جداول تكليف أو أوامر قبض بعد مرور خمس سنوات، ولم يعارض إلا نواب حزب الله، باعتبار أنها «تشرّع التهرّب الضريبي وتسمح بتهرّب المؤسّسات الماليّة منها».
وكذلك أجيز للأشخاص الحقيقيين والمعنويين الملزمين بمسك محاسبة منتظمة، باستثناء الشركات العقارية، ولمرة واحدة، وضمن مهلة اثني عشر شهراً من تاريخ نفاذ هذا القانون، إجراء إعادة تقييم استثنائية لعناصر الأصول الثابتة لتصحيح آثار التضخم النقدي الناتج من التغيير في قيم تلك الأصول، وجرى تخفيض ضريبة الدخل الناتجة من التقييم الى 5% بشرط تسديدها خلال مهلة شهر من انتهاء مهلة الاثني عشر شهراً.
وتم فرض رسم طابع مالي على رخصة استثمار مياه عمومية لأغراض صناعية بقيمة 7.5 ملايين ليرة، ولأغراض تعبئة المياه وبيعها من الغير بقيمة 50 مليون ليرة، ولرخصة تعبئة المياه وبيعها من الغير بقيمة 2.5 مليون ليرة، على أن يطبّق رسم الطابع المالي الأعلى على أيّ رخصة مشتركة من الرخص المشار إليها أعلاه. كذلك تم فرض رسم مالي بقيمة 5 آلاف ليرة على العقود والاتفاقات التي لا تتضمن ذكر مبلغ من المال أو تتضمن ذكر مبلغ محتمل غير محدّد، ورسم آخر بقيمة 10 آلاف ليرة على عقود الإيجار التمويلي عن كل سنة من سنوات تقسيط المبلغ. وتم فرض ضريبة الأملاك المبنية على أقسام العقار كلّ على حدة، اعتباراً من بداية العام الذي سجّل فيه الإفراز أصولاً في الدوائر العقارية.

19 مشروع برنامج

في موازنة عام 2018 لن يتمّ إدراج مشاريع برنامج في إطارها حفاظاً على مبدأ سنوية الموازنة، وكي لا يتمّ «تهريب» مشاريع تحتاج إلى دراسة وموافقة مجلس النواب ضمنها. هذا ما وصل إليه النقاش في مجلس النواب، إلّا أن موازنة 2017 تضمّنت 19 قانون برنامج بقيمة تتجاوز 2300 مليار ليرة، يعود بعضها إلى التسعينيات، كمشروع أليسار الخاص بترتيب منطقة الضاحية الجنوبيّة لمدينة بيروت، فيما ألغي مشروعا قانونين بقيمة 13 ملياراً متعلّقان بإعادة تأهيل مواقع المقالع وتشجيرها. أغلب هذه المشاريع متعلّقة بتنفيذ طرق ومرافئ في مختلف المناطق اللبنانية وصيانة وبناء أبنية حكوميّة وعامّة وتوسيع شبكة الاتصالات الثابتة، أمّا أبرزها فقانون برنامج لتسديد ديون وتعويضات الاستملاك بقيمة 850 مليار ليرة، على أن تسدد تبعاً لأولوية صدورها؛ 390 ملياراً منها لصالح مجلس الإنماء والإعمار، و460 ملياراً لسائر الإدارات والمؤسسات العامّة، و200 مليار لوزارة الطاقة تسديداً لديون ناتجة من تعويضات استملاك بذمة مجلس الإنماء والإعمار صدرت بشأنها أحكام مبرمة.