بدأت القصة مع سيدة فرنسية من أصل لبناني، تعيش في فرنسا، تشتري اللوحات الأصلية وتبيعها لأثرياء. قبل شهر تقريباً، تواصل معها هاتفياً شخص لبناني (مصطفى ح.)، بعدما عرِف عنها هذا الاهتمام وأنها تبيع مثل هذه اللوحات. أرسل اليها، عبر «فايسبوك»، صورة عن لوحة للفنان العالمي سلفادور دالي: «ليدي ريفز» (رسمها دالي عام 1954). بطبيعة الحال، عرضت السيدة اللوحة على خبير فرنسي، فأخبرها أنها «تبدو أصلية». شعرت بالريبة من دون أن تخفي شغفها بالموضوع.


نبّهت أحد معارفها الذي يعيش في لبنان إلى الأمر، فأعطى علماً بذلك للجمارك اللبنانية. وعلى ضوء هذه المعطيات، انتظرت لوحة دالي البيروقراطية اللبنانية، إذ وجهت الجمارك إخباراً للقضاء، الذي أوكل بدوره «مكتب مكافحة جرائم السرقات الدولية» في قوى الأمن الداخلي التحقيق في الأمر.
نُسج الكمين وبدأت الملاحقة. انتحل عنصر من قوى الأمن صفة تاجر لوحات أرسلته التاجرة الفرنسية. تواصل مع المشتبه فيه بواسطة رقم فرنسي، واتفقا على اللقاء في منطقة البربير. جاء المشتبه فيه من دون اللوحة، متخذاً كل تدابير الحيطة، أما «الليدي» فبقيت محتجزة في منطقة عرمون. بعد اللقاء أعطى الوسيط «كلمة السر» للقوى الأمنية: «أحضروا الخمسة ملايين دولار»، فدهم عناصر من قوى الأمن المكان وأوقفوا المشتبه فيه مع ثلاثة آخرين (يحملون الجنسية السورية) يعملون معه. أفاد المشتبه فيه أنه اشترى اللوحة منذ نحو 12 سنة من شخص عراقي وأنه كان ينتظر الفرصة المناسبة لبيعها بمبلغ كبير. بعد «العملية»، حوّلت اللوحة إلى النائب العام المالي الذي كلف خبيراً بفحصها، فأكد الأخير أن مقاسات اللوحة صحيحة، وكذلك توقيع دالي. توقيع متحف «اللوفر» على ظهر اللوحة يبدو مطابقاً للأصلي أيضاً، ما يرجّح أن تكون هي اللوحة الأصلية، لكن لم يتم التأكد من ذلك حتى الآن.
مصادر أمنية ترجّح أن اللوحة مسروقة. والمسؤولون في قوى الأمن الداخلي يعتبرون ما حصل إنجازاً حقيقياً في ظلّ أزمة التهريب التي تشهدها المنطقة، وجرائم الآثار الفظيعة التي تحدث. ورغم أن لبنان فقد الكثير من صورته «الفنية»، إلا أنه يتعامل مع «مركز حفظ التراث العالمي» للكشف عن جرائم تهريب الآثار والقطع الفنية، وذلك بشهادة من «اليونسكو»، كما يؤكد رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي جوزيف مسلّم. وفي الإطار نفسه، يوضح مسلم أن عمليات التهريب راجت أخيراً على نحو لافت، على خلفية الحروب في كلٍّ من العراق وسوريا، حيث تُهرّب الآثار والقطع الفنية «بالجملة»، لافتاً إلى أن كثيراً منها مزوّر، لكن الكثيرين ممن يشترونها قد يصدقون أنها حقيقية، لأنه بفعل الحرب «يحصل تهريب مكثف للآثار في غياب السلطات، وهناك الكثير من الاحتيال في هذا المجال. تُقلّد اللوحات والتحف الفنية بدقة، بحيث يصعب تمييزها عن العمل الفني الأصلي، كما يجري تقليد مخطوطات وكتب قديمة وبيعها على أنها أصلية ونادرة». نقطة هامة أخيرة يشير إليها العقيد مسلّم: «وجهة أكثر الأعمال المهربة هي أوروبا وآسيا، وأغلب المهربين يحملون الجنسية السورية».
كان دالي «غريب الأطوار»، هكذا يقال. ورغم التقدير لعمل القوى الأمنية اللبنانية التي قامت بعملٍ لافت، لم تسلم الحكاية من الطرفة. سلفادور دالي في البربير. هل ثمة سوريالية أكثر من ذلك؟