ترتبط تسمية «المجتمع المدني» بالجمعيات و«المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية والمهنية ومؤسسات العمل الخيري التي تتشابه في استقلالها عن الحكومة والقطاع الخاص». لكن في لبنان، ومع استشعار بعض الأحزاب بأن «المجتمع المدني» يجذب الجماهير، بات الجميع «مجتمعاً مدنياً»! وأول من أمس، انقسم هذا «المجتمع» على نفسه، حول من يمثله فعلياً، وحول هوية المجتمعين في مجمع «فوروم دو بيروت» الذين يعرّفون عن أنفسهم بـ«معارضين تجديديين». بدأت القصة مع تلقي بعض المجموعات الناشطة في الحراك المدني دعوة عبر «واتساب» لحضور منتدى حواري للتداول في واقع لبنان الراهن وسبل الخروج من أزماته، من دون تحديد الجهة الداعية ولا أسماء الحاضرين. توجس البعض من هذه الدعوة الغامضة، ولا سيما أن مجموعات رئيسية في الحراك لم تُدعَ من الأساس.


فلم تشارك مجموعات الحراك الرئيسية كـ«طلعت ريحتكم» و«بدنا نحاسب» و«بيروت مدينتي» و«من أجل الجمهورية» و«مواطنون ومواطنات في دولة» وغيرها، كلّ لأسبابه الخاصة، وأبرزها رفض الجلوس إلى طاولة واحدة مع ممثلي الأحزاب السياسية، «حتى ولو ادعى هؤلاء خلع ثوب أحزابهم وأنهم يشاركون بصفتهم الشخصية». اللقاء حضره مسؤولون في حزبي الكتائب والوطنيين الأحرار ومجموعة «مستمرون» التي كانت تمثل قوى 14 آذار و«لقاء الجمهورية» الذي يمثل الرئيس السابق ميشال سليمان ومستشار اللواء أشرف ريفي. ساهم ذلك في خلق إشكالية بين الحاضرين والغائبين حول تعريف من يمثل «المجتمع المدني» وما يفترض أن يكون مشروعه. فهل يمكن حزباً سياسياً اعتاد التمثل في المجالس النيابية والوزارية والتمديد لنفسه أن يتحول إلى مجتمع مدني؟ وهل المعارضة السياسية المتمثلة بالأحزاب التي لم تدخل السلطة إما لأن أحداً لا يقيم لها وزناً، أو لأنها لم ترض بحصتها، فاختارت طريق المعارضة، تتحول تلقائياً إلى مجتمع مدني، وهل يخدم وجودها صورة الحراك؟ وهل فعلاً جرى انتقاء المجموعات التي تدور في فلك 14 آذار؟
مجموعة «من أجل الجمهورية» تلقت الدعوة، لكنها لم تلبِّها، بحسب أحد أعضائها المحامي مروان معلوف، «لأننا نفضل التركيز على قضايا ومعارك محددة عوضاً عن العناوين العريضة التي لا نعتقد أنها تخدم أهدافنا أو حاجة المواطن». ويشير معلوف إلى أن «مجموعتنا ضد إعادة تدوير الطروحات والجبهات وإعادة تغليف اصطفافات 8 و14 آذار. هذا موقفنا منذ البداية وليس محصوراً بلقاء معين». فيما تؤكد الناشطة في «بدنا نحاسب» نعمت بدر الدين أن المجموعة لم تُدعَ، وهوية الداعي غير واضحة. وتضيف: «جل ما نعرفه أن ما يحصل هو توحيد لحركة المعارضة من كتائب وغيرهم»، وأن الشعارات التي أطلقت من «السيادة والاستقلال إلى حصرية السلاح تذكر بشعارات قوى 14 آذار لا المجتمع المدني. هناك ربما محاولة لإعادة إحياء جسم ميت بدأ بتحالف وتنسيق أشرف ريفي والكتائب واستتبع بمحاول تغليف أنفسهم بالمجتمع المدني».
من جانبه، يرى أحد مؤسسي «طلعت ريحتكم» وديع الأسمر، أن من المبكر الانخراط بهذا النوع من اللقاءات السياسية. ويرى أن «الاختلاف الأساسي هو حول مقاربة التغيير. الدعوة وصلتنا عبر إحدى وسائل التواصل وارتأينا أننا غير معنيين في ظل عدم الكشف عن الجهة الداعية والحضور». اللقاءات ستتكاثر وفقاً للأسمر، كلما اقتربنا من الانتخابات، في محاولة من فريقي 8 و14 آذار لإظهار أنفسهما على أنهما عرابا الحراك المدني: «إذا ضلينا هيك ما رح يضل في مرشحي أحزاب صاروا الكل مجتمع مدني».
في المقابل، يشير مشاركون في اللقاء إلى أن حملة إعلامية من مجموعات الحراك تُشَنّ عليهم لإفشال تحركهم بعدما نجحوا في تنظيم ما يحاول البعض إنجازه منذ سنوات.


بعض المعارضين للّقاء يرون في ما يحصل محاولة لإعادة إحياء ما يُسمى قوى 14 آذار


رئيس «الصوت الثالث من أجل لبنان» جهاد فغالي، الذي أدار لقاء «الفوروم»، لفت إلى أن «مجموعة من قوى 14 آذار كانت حاضرة، لكنها تمثل مجموعة من أصل 50». وسأل: «أين العيب في حضورها إذا كانت تلتقي مع أفكارنا وخطابنا؟»، و«ما الضرر من وجود شباب من الكتائب وممثل لأشرف ريفي وغيرهم مما لا يتعدى عددهم 15 شخصاً من أصل 200؟ هل يعانون من الكوليرا؟». اللقاء في مرحلة أولى وفقاً لفغالي، «هو لقاء تعارفي وتشاوري للوصول إلى أرضية مشتركة ليتحول بعدها إلى برنامج عمل سياسي يعد بمثابة ميثاق شرف بين الجميع».
من جانبه، يقول نوفل ضو أحد المرشحين في كسروان والذي عين أخيراً مستشاراً إعلامياً لرئيس حزب الكتائب إنه يعمل سياسياً «من منطلق مستقل وغير حزبي، وأعتبر نفسي جزءاً من هذا المجتمع المدني». وأسف للكلام السيئ الذي أشيع حول اللقاء، نافياً أن يكون هناك أحزاب «بل أشخاص حزبيون أتوا بصفتهم الفردية». يريد ضو تحقيق «السيادة المالية والقانونية والأمنية من دون الدخول في مشكلات مع أي حزب. فالنهج السياسي القائم منذ عام يغيّب منطق الدولة ونحن نريد استعادتها. ومن المستحيل إعادة احياء 14 آذار، ولكن ما المشكلة إذا وجد حزب معين يتلاقى مع المجتمع المدني في طروحاته؟».
أحد ممثلي الأحزاب المشاركة اعتبر أن «بعض المجموعات المدنية تساهم في خلق مسافات بين الأفراد وأحزاب المعارضة التجددية، فينغلقون على أنفسهم ويرفضون محاورة الآخرين». والغاية من انتقاد اللقاء ليس سوى «محاولة لإفشاله بعد أن فشلوا في تحقيق ما تمكنا منه خلال 6 أشهر». ورغم نفي مصادر «بيروت مدينتي» حضورها كمجموعة أو كأفراد، يؤكد المصدر الحزبي أنها تمثلت كما يؤكد أن اللقاء «مصرّ على مدّ اليد للجميع وعدم الرد على الشائعات». كيف تمول هذه اللقاءات؟ «كل شخص من الـ47 المنظمين ساهم بالتمويل عبر دفع بين 100 و200 دولار كرسم اشتراك».