بعيداً من السجالات الحادة التي أثارها قرار المجلس العدلي في ما يتعلق بمقتل بشير الجميل، فإنه يطرح مجموعة تساؤلات جذرية حول الآليات التي تحكم عمل هذا المجلس في مقاربته للقضايا التي تحال إليه. والأهم القراءات القانونية والتاريخية والسياسية التي يجريها لتلك القضايا، والتي يفترض أن ترتكز الى فهم للوقائع التي أحاطت بها.


والأكثر أهمية عدم إسقاط التحولات والمفاهيم السياسية الحالية التي تم إقرارها في دستور ما بعد الطائف على تلك الوقائع. فعلى سبيل المثال، لا يفترض أن يدفع الوفاق الوطني الملتبس نتيجة عدم التفاهم على قراءة موحدة لتاريخ لبنان الحديث، وخصوصاً مرحلة الحرب اللبنانية، بأعضاء المجلس الى قراءة قضية خلافية بحجم مقتل الجميل على أنها جريمة ضد رئيس جمهورية سابق وكفى، من دون الأخذ في الإعتبار الظروف التي أحاطت بوصوله الى الرئاسة وإستدعائه لعدو لبنان التاريخي والأبدي لإحتلال وطنه. والأسوأ تجاوز إستمرار تعامله مع هذا العدو بعيد «إنتخابه» مباشرة، بالتواصل مع قادة العدو وقيامه بزيارة سريعة إلى الكيان الغاصب بهدف التنسيق في مرحلة ما بعد «الإنتخاب». أما الأكثر سوءاً فهو عدم الإلتفات الى الضحايا من اللبنانيين والفلسطينيين المقيمين على الأراضي اللبنانية الذين دفعوا أرواحهم ثمناً لهذا «الإنتخاب»، والى الدمار الشامل الذي أصاب لبنان جراء الإجتياح الإسرائيلي والذي لا نزال حتى يومنا ندفع ثمنه إقتصادياً ونقدياً ومعيشياً وإجتماعياً.
فوفقاً للمادة 50 من الدستور (والتي لم تطلها تعديلات الطائف)، يلتزم رئيس الجمهورية عند أدائه للقسم بحفظ إستقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه. والإخلال بها يؤدي الى محاسبته بناءً على المادة 60 التي تحمّله تبعات خرق الدستور وصولاً إلى إتهامه بالخيانة العظمى. وبالتالي، كان الأصح أن تتم مقاربة هذه القضية على أساس أنها محاكمة متأخرة لرئيس إستدعى جيوشاً أجنبية عدة، من بينها جيش العدو الإسرائيلي، لإجتياح بلده وقتل شعبه وتدمير بناه وإقتصاده، ولإنتخابه على ظهر دبابات العدو رئيساً. والأخطر ليقوم بتنفيذ مطالب هذا العدو وتحقيق مصالحه، وفي مقدمها التنازل عن السيادة الوطنية من خلال عقد معاهدة «سلام» تمكّن العدو من السيطرة على الأمن القومي اللبناني إنطلاقاً من تمركزه في مواقع حدودية إستراتيجية، عدا عن السماح له إعتماد مكاتب إتصال وسفارة في الداخل.
بناءً على هذه الواقعة العدلية، يعنيني بشكل شخصي، ومن منطلق وطني مقاوم ولبناني صميم، أن أدعو الى التنبه لما ينتظر تلامذة الامام السيد موسى الصدر وأبناءه وأنصاره ومحبيه من إساءة لقضية إختطافه وأخويه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. إذ أن هذه القضية المطروحة على طاولة المجلس العدلي منذ الرابع عشر من شباط 1981، والتي ترنحت طويلاً بسبب عدم إيلاء هذا الجانب العدلي الإهتمام مراعاة لكون الخاطف معمر القذافي حاكماً لليبيا، ونتيجة للمطالعات والقرارات الصادرة عن المحققين العدليين اللبنانيين والقضاة الإيطاليين التي كانت دائماً تُجَهِّل الفاعل والمحرض والمتدخل في عملية الإختطاف... هذه القضية كانت على مقربة من إصدار قرار نهائي فيها بالتزامن مع صدور القرار المتعلق ببشير الجميل.
وإذا إفترضنا أن التزامن كان مجرد مصادفة إجرائية أو إدارية نتيجة الإنتهاء من مطالعات المحققين العدليين في توقيت متقارب، إلا أنه صار لزاماً على من يعتبرون أنفسهم معنيين بالإمام الصدر وأخويه إعادة النظر في جدوى إستمرار معالجة هذه القضية من قبل المجلس العدلي. فمن الناحية المعنوية، أولاً: كيف يمكن الوثوق بقرار قضائي يصدر لصالح مؤسس المقاومة اللبنانية ضد العدو الإسرائيلي وملهم إنتصاراتها وديمومتها عن المرجعية نفسها التي أصدرت قراراً لصالح من تعامل مع هذا العدو. وفي هذا الأمر تساؤلات مضافة للتي وردت سابقاً حول المعايير المعنوية والوطنية أيضاً في المقاربات المعتمدة. ثانياً: الخطر الثاني يكمن في إستعمال القرار المنتظر حول قضية إختطاف الإمام وأخويه لاستعادة المجلس الصدقية التي فقدها أمام جمهور عريض من اللبنانيين، وذلك من خلال الإيحاء بأن الآليات التي يعتمدها محصورة فقط بالعناصر الجرمية المجردة المُكَوِنة للحدث، ولا تتوسع لتطال الظروف والمعطيات المرافقة لها، والضغوطات النفسية والسياسية المباشرة وغير المباشرة التي يمكن أن تكون قد مورست عليه لحفظ قضية ما، كما تم التعاطي مع موضوع إختطاف الإمام وأخويه لعشرات السنين أو للإسراع في البت بقضية ما.
بعد 39 عاماً من الإختطاف الموصوف وثبوت المسؤولية المباشرة منذ اللحظة الأولى على معمر القذافي وأدواته المخابراتية، يبدو إنتظار أي قرار من أية هيئة قضائية مضيعة للوقت والجهد والقضية، خصوصاً أن صدور هذا القرار لن يؤدي الى إعتقال صاحب قرار الإختطاف وبعض معاونيه الذين قتلهم أو قتلوا معه. إضافة الى أننا نقارب هذه القضية من زاوية السعي لإستعادة الإمام وأخويه، ولا نبحث عن نصر معنوي هزيل عبر الإكتفاء بتحميل المسؤوليات. وبالتالي فإن إعتقال العارفين بخفايا تنفيذ عملية الإختطاف يتقدم على ما عداه، وهو أمر ممكن نتيجة التحقيقات شبه المكتملة الموجودة في حوزة الأجهزة اللبنانية المعنية والتي يمكن أن تكتمل تماماً في حال تم التحقيق مع هنيبعل القذافي بحرفية ومهنية عالية ومسؤولة. كما أنه ممكن في حال تمت مقاربة هذه القضية وفق شعار «نحن قوم لا نترك أسرانا أو معتقلينا أو مختطفينا في السجون»، وهي خطوة تستوجب خطة وتحضيرات ورجالاً يؤمنون بأن حق الإمام وأخويه علينا أن نستعيدهم، مهما بلغت التضحيات.
* المدير العام السابق لوزارة الإعلام