يقول المدير العام لوزارة المال، آلان بيفاني، إن «التبسيط يطغى على النقاش في السياسات الماليّة، ولا تقدّم سوى حلول سطحيّة، مثل الاكتفاء برفع مستوى الجباية، علماً بأن الجباية ارتفعت بمعدّل 9% سنوياً على مدى السنوات القليلة الماضية، من دون أن ينعكس ذلك خفضاً للعجز المالي، أو مثل التركيز على مكافحة الهدر والفساد، وهذا عمل مهم وضروري وملح، لكنه ليس السبب الوحيد للأزمة الاقتصاديّة، فما نحتاجه اليوم هو أبعد بكثير من الاكتفاء برفع الجباية وخفض الهدر والفساد».


كلام بيفاني جاء في ندوة تحت عنوان «معالجة العجز المالي في لبنان: الآثار الاقتصادية والمالية»، نظّمتها الجامعة الأميركية في بيروت، في الأسبوع الماضي، وشارك فيها الى جانب بيفاني، مدير دائرة العمليات المالية في مصرف لبنان يوسف الخليل، والخبير في البورصة حسن خليل.
المشاركون اعتبروا أن أسباب العجز تعود إلى السياسات الماليّة والنقديّة، التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب اللبنانيّة، ودفعت بالاقتصاد اللبناني إلى تحمّل عواقب أسعار فائدة مرتفعة تبلغ 40%، منذ منتصف التسعينيات، لتغطية العجز المالي وتراكم الديون العامّة. ورأوا أن الأمور بقيت على حالها منذ ذلك الحين، كنتيجة لعدم تطبيق فعلي لأي استراتيجيّة تهدف إلى تخفيض العجز المالي.
تتركّز الاقتراحات المتداولة للتصدي للأزمة على خفض النفقات، وهو ما يعدُّه بيفاني أمراً سيئاً بحكم التجربة، «ففي سنوات سابقة، اتبعت الدولة سياسة خفض النفقات مستهدفة رواتب وأجور موظفي القطاع العام، وهو ما أدّى عملياً إلى تفريغ المؤسسات والإدارات واللجوء إلى التعاقد الذي باتت كلفته أعلى بكثير. أيضاً، تم وقف الإنفاق على تجهيز الكهرباء، إلّا أن التكاليف ارتفعت نتيجة العجز الناتج من بيع الكهرباء بأقل من سعر إنتاجها. كما أوقف الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذي انعكس سلباً على الاقتصاد». يتابع بيفاني أن «الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة أمر بالغ الأهمّية، لكنه غير كاف، فهناك المزيد من التدابير التي يتعيّن القيام بها لتحسين ظروف معيشة المواطنين».
يشخّص بيفاني أسباب الأزمة بـ«عدم قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جيّدة، ما أدى إلى تنامي البطالة وانخفاض القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الهجرة، في حين لم تشهد قطاعات كثيرة أي نمو ملحوظ»، وبدلاً من معالجة المشكلة الأساسيّة المتمثّلة بعدم القدرة على خلق فرص عمل، «تم ضخّ أعداد كبيرة في القطاع التعليمي والقوى المسلحة على سبيل المثال». يضاف إلى ذلك ارتفاع العجز في ميزان المدفوعات «نظراً إلى غياب الصناعات، وتحوّل النموذج الاقتصادي القائم إلى استهلاكي يعتمد على الاستيراد، فضلاً عن تأثر النموذج بانخفاض أسعار النفط، وتراجع التدفقات النقدية من المغتربين، وتحوّل الاستثمارات العربيّة نحو التسلح والإنفاق العسكري».
المطلوب بحسب بيفاني هو «زيادة الإنتاجيّة مع ما يتطلبه ذلك من تفعيل الإدارة، فضلاً عن تطوير البنى التحتيّة، وشبكات الأمان الاجتماعي، وإعادة تنظيم سوق العمل، تمهيداً لتدعيم الاستقرار المالي، وتخفيض العجز البالغ 9% من إجمالي الناتج المجلي، والدين العام البالغ 150% من الناتج المحلي»، ويتحقّق ذلك من خلال: «خفض النفقات الهامشية، مكافحة الفساد، ولا سيما في المشتريات والمناقصات العموميّة، إعادة النظر في حجم كلّ إدارة ومعالجة التفاوت القائم بينها (حجم الإدارة العامة الصغير نسبياً ــ 10 آلاف موظف ــ في حين أن حجم القوات المسلّحة كبير ــ 110 آلاف عسكري ــ وكذلك الأمر بالنسبة إلى التعليم العام ــ 54 ألف أستاذ ومعلم)، إعادة النظر في سياسة دعم تعرفة الكهرباء التي تكبّد الخزينة خسائر ضخمة من دون أن ينعكس ذلك على نوعية الخدمة المقدّمة، تصحيح النظام الضريبي وتحميل الأعباء الأكبر للقطاعات التي تحقق أرباحاً وعدم التفريط بالثروة النفطيّة والتعامل معها على أنها أصول لا إيرادات، وأنها من حق كلّ مواطن لبناني، بحيث تجمع في صندوق سيادي ليجري توظيفها كما يجب والحصول على مردود منها، لا إنفاقها».