بينما نبتسم لافتتاح محلات ومقاه ومطاعم جديدة في منطقة «فقيرة» أو شعبية، نفتح عيناً على الألوان والأشكال والزبائن المختلفين الذين تضيفهم هذه الأماكن على الحي، ونغمض عيوناً على التهجير الحاصل لأهل المنطقة، أو «التنظيف» الطبقي الذي يرفع الإيجارات ويرمي أهلها خارجاً.


تزعجنا الجدران الوسخة، والزوايا غير السوية، ومناشر الغسيل المتدلّي على الطرقات، وصراخ باعة الخضر وجامعي الخردة. يزعجنا شكل «الحجّات» على الشبابيك أو في الشرفات عند المغيب، يزعجنا الأطفال الوسخون في الشوارع، لا نعرف من الأوسخ، هم أو الرصيف الضيّق المتكسّر الحواف الذي تتكدّس عليه الزبالة. يزعجنا تذكيرهم لنا بأنهم موجودون، وأنهم يتحملون عبء المدينة. قد نعتقد بأن «تنظيف» المناطق الشعبية وتلوين جدرانها، وربّما تغطية أهلها بأغطية ملوّنة كي لا يظهر البؤس على وجوههن ووجوههم، أفضل من بقائها كما هي. هنا يربح رأس المال أولى معاركه: نحن نكره هذه المناطق الشعبية ونكره أهلها ونتمنى أن تختفي. يأتي رأس المال ليحقق لنا هذه الأمنية. أما الحجّة الأخلاقية الجاهزة دوماً، فهي أن تحسين المنطقة أفضل بالنسبة لساكناتها وسكّانها، وهي تحسين لوضعهم بدلاً من استمرارهم بالعيش في البؤس والوسخ والشوارع البشعة. لكن المناطق والأحياء أكثر بكثير من مظهر وحائط ملوّن. والذوق هذا، بالبشاعة والجمالية، بالمقرف والمفرح، بالمسيء والجيد، طبقي بامتياز.

الأوزاعي صارت أوزفيل...

منذ عدّة أسابيع، غطّى الإعلام التلفزيوني كما الـ«سوشال ميديا» والمكتوب خبراً ــــ أو بالأحرى «زفّه» للبنانيين، بفرح وفخر واعتزاز ــــ عن تحويل منطقة الأوزاعي إلى «أوزفيل»، أو مدينة «أوز». المنطقة التي كانت تعرف بقرية «حنتوس» على تخوم بيروت، ودفن فيها علّامة كان له من القيمة الدينية والسياسية في المنطقة، اختفت أسماؤها فجأة ليحلّ محلها اسم أجنبي، يُظهر، في ما يُظهر، استحياء أصحاب المشروع من هوية المنطقة ومحاولتهم لجعلها «غربية»، بلفظ هو أسهل استيعاباً ربما، لروادها الأجانب المنتظرين. ولا يغيب حب الظهور بمظهر الغرب ذلك، عن الألوان التي تمّ استخدامها على الجدران (ألوان غامقة وفاقعة)، وهي لا تمتّ للموروث الثقافي المديني لبلاد الشام بصلة، بل تنسخ عن المدن اللاتينية، وهو أمر سيئ بسوء أي محاولات للنسخ أو للتخلّي عن الهوية المحلية أو التشبّه بأي شيء لا يشبهنا.


عندما نتكلّم عن طرح سياسي حقيقي، نقول ذلك لأننا نتكلّم بالذات عن الأوزاعي. فالمنطقة تعاني بالأساس من وصمة غياب الشرعية وقد تعرّضت من قبل للتعدّي من قبل رأس المال

في مقابلة على التلفزيون، يقول مطلق «الحملة» عيّاد ناصر: «خلي اللبناني يتّكل ع حاله ما بقا يتّكل عالدولة طالما ما عنا دولة». ويضيف: «أربعة مليون لبناني بينزلوا (بالطيارة) بيشوفوها بشعة. كيف بدكم تستقبلوا السواح؟ أنا كل ما إنزل، بيصير معي depression».
نبدأ أولاً بالدعوة للاتكال على النفس مقابل الاتكال على الدولة. تصبح هذه الدعوة مقبولة في اللحظة التي يحصل فيها عصيان مدني، نتوقف فيه عن دفع الضرائب والاعتراف بشرعية الدولة أو النظام أو البرلمان. نبدأ عندها بتشكيل نظام اقتصادي اجتماعي سياسي مستقل عن هذه الدولة غير الشرعية. يسارياً يمكن أن نطبّق مفاهيمنا ومعتقداتنا ككومونات ومجموعات سياسية محلية، شبيهة باللجان المحلية. من منطق «عدم الاتكال على الدولة»، أي شيء قاصر عن ذلك، هو غنج على النظام و«حرد» منه، من دون طرح سياسي حقيقي معترض على ما يجري. إنّما الاكتفاء بالأخذ بزمام الأمور من دون موقف سياسي ومشروع، فهو في الحقيقة نوع من إزالة الضغط عن الدولة التي نراها قاصرة. الحل الحقيقي لهذه المشكلة إذاً هي إمّا الضغط على الدولة لتسلّم مسؤولياتها، أو العصيان المدني عبر طرح مشروع سياسي مديني اقتصادي بديل.
من ناحية ثانية، وقبل الاعتقاد بأن ناصر بدعوته هذه يريد أن يكون «ثورياً» وراديكالياً، لننظر إلى حقيقة تلك الدعوة في السياق السياسي المديني. في مقالها عن التنظيم المديني للعشوائيات في الهند، تتكلّم أنانيا روي عن الموجة الحاصلة بخصوص إدارة الخدمات والمساحة في المدن. وتضيء بالتحديد على مسألة خصخصة المساحة العمرانية، وبالتالي تقرير من تستطيع أو لا، بحسب قدرتها الشرائية، الوصول إلى الخدمات: يتمّ «تغيير مصدر تأمين الخدمات والبنى التحتية من يد الدولة إلى يد المطورين والشركات الخاصة، في دعوة لهم لإدارة المدينة... وعقاراتها». وينتج ذلك، في ما ينتج، أشكالاً مدينية جديدة، أساسها مساحات ومبان للنخبة، ومشاريع كبيرة لجذب الاستثمارات. ويبدو أن «نداء» ناصر هذا، يعمل في الاتجاه نفسه: الدعوة لأخذ «الناس» بزمام الأمور. ومن هم «الناس» هنا، من هي المجموعات القادرة اقتصادياً وسياسياً على أخذ الأمور بيدها؟ يبدو الدور «مفصّلاً» ليكون دور البورجوازية عامّة، والمطوّرين ورجال الأعمال خاصة.
في الجزء الثاني من حديث ناصر، يظهر الجزء الأكثر إزعاجاً للمشروع... «مش قدّام العالم».
المشكلة إذاً، بالنسبة لعياد، ليست في ما تمثّله الأوزاعي وحالتها المدينية لأهلها، وليست في ما يزعج السكان أو ينغّص حياتهم اليومية، بل في ما يبدو مزعجاً وبشعاً للذين ينظرون إليها من الخارج: للأجانب القادمين إلى لبنان للسياحة، أو للبنانيين القادرين على السفر. تلك الطبقة التي تنظر إلى الأوزاعي من الخارج، فتصاب بـ«ديبريشن». (أوعا البويا).

لسنا نبحث عن مؤامرة هنا، لكن من المهم أن نسأل عن الخلفية السياسية الاقتصادية لمن يعمل «لتطوير» مناطقنا

بماذا يُصاب أهل الأوزاعي يا ترى وهم يعانون كل يوم من انقطاع المياه والكهرباء والخدمات كلها وقلّة الأعمال واعتبارهم دائماً خارجين عن القانون؟ ليست الـ«ديبريشن» من الأمراض التي يُسمح لأهل الأوزاعي بأن يعانوا منها. كما يلفت التعالي الضمني في هذه الفكرة وازدراؤها لسكان وساكنات الحي. فهل يمكننا أن نسمع هكذا تعليق، ونقابله بالدرجة نفسها من التقبّل، لو تكلّم عياد عن أي حيّ بورجوازي «شرعي»؟
لكن التعليل سهل: إنهم فقراء. ولأنهم فقراء، يصبح انتقاد أماكن عيشهم، وتقرير تغييره، عادياً، بل وضرورياً.

المشكلة الحقيقية

عندما نتكلّم عن طرح سياسي حقيقي، نقول ذلك لأننا نتكلّم بالذات عن الأوزاعي. فالمنطقة تعاني بالأساس من وصمة غياب الشرعية، وقد تعرّضت من قبل للتعدّي من قبل رأس المال (بيد الدولة) حينما حاول رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري الاستيلاء عليها، ورمي أهلها في مكعّبات باطون، لاستثمارها وبناء المنتجعات والفنادق (التي لن تكون «شرعية» على فكرة، لكن من يسأل؟ فالأغنياء هم هنا أصحاب المشروع).
وفي الوصمة، أو الستيغما، الكثير من المغزى.
يحاجج البعض بأن أهل الأوزاعي راضون، بل وسعيدون بما يجري. وعلينا أن نفهم أسباب ذلك الفرح والترحيب بالمشروع. من الطبيعي أن تفرح أي شخص بـ«تحسين» مكان سكنه وحوله، بغض النظر أحياناً عمّا يكون ذلك التحسين. لكن الأمر يصبح أكثر حساسية حين نتكلّم عن منطقة شعبية، وبخاصة حين تكون «غير شرعية» (من دون ان أكون داعمة لفكرة غياب الشرعية تلك ومعناها السياسي)، لها ما لها ولأهلها من وصمة الخروج عن القانون. حينها، يصبح «التحسين»، خصوصاً ذاك القادم من «الخارج»، أي من بورجوازية المدينة ولأجل سوّاحها، مطلوباً.
يمكننا هنا، أن نستعين بحادثة شخص من الهرمل كان يعمل في فرن في بيروت. أخبرنا كم كان يعاني لكي لا يظنّ الناس بأنه يتعاطى الحشيشة أو يتاجر بها، أو أنه «أزعر» يمكن أن يتهجّم على الناس لأصغر سبب. يشبه ما يحدث في الأوزاعي حديثنا عن الهرمل. كنا نقول إن أهل الهرمل متعبون من هذه الوصمات، وبأنهم سيرحّبون بأي مشروع سياحي أو ترفيهي ــــ حتى ولو كانوا غير قادرين على الدخول إليه (مادياً) ــــ يساعد في تغيير صورة المنطقة ووصم أهلها. الموضوع في الأوزاعي لا يختلف عن أي منطقة في لبنان تعاني من وصمة الإجرام وغياب الشرعية. حتى لو تطلّب الأمر تلوين الجدران وتغطية الفقر فقط.

هناك موجة بدأت منذ السبعينيات حول العالم لتغيير ديموغرافيا المدن: تهجير الطبقة العاملة والفئات الضعيفة عما يمكن أن يكون المركز، اقتصادياً أو سياسياً أو سياحياً

المشكلة في الأوزاعي ليست بأن جدرانها كانت غير ملوّنة (وهو ما نستطيع أن نتكلّم عنه مطوّلاً، خصوصاً في ما يتعلّق بالألوان التي تمّ اختيارها لـ«للتجميل»)، بل بأن وضع حيازة الأراضي (شرعية الحيازة وغيابها) غير آمن لأهلها، وأن بإمكان الدولة أن تزيلها في أية لحظة، وبأن الحياة اليومية صعبة بسبب غياب الخدمات أو سوئها، والوضع السيئ للمساكن (صغيرة، غياب التهوئة المناسبة الخ) كما الضغط السكاني لمنطقة ذات تعداد سكاني عال (خاصة بعد قدوم اللاجئين السوريين)، وغياب فرص العمل.
من المفيد أيضاً، أن نسأل: من الذي يقوم بهذه الحملة؟ من يريد الخير لأهل الأوزاعي بهذه الطريقة؟
بعد قليل من البحث، نجد بأن عيّاد ناصر، فاعل الخير، هو أيضاً «من مشاهير عالم العقارات»، وأحد مؤسّسي شركة التطوير العقاري «لوفت إنفستنمنتس» loft investments.
لسنا نبحث عن مؤامرة هنا، لكن من المهم أن نسأل عن الخلفية السياسية ــــ الاقتصادية لمن يعمل على «تطوير» مناطقنا. وهنا لن يكون مفاجئاً لنا أن نسمع قريباً بمشروع مبان لشركة ناصر قرب الأوزاعي مثلاً، يريد أن يسوّق له ولكن منظر البيوت الفقيرة يخرّب المنظر من الواجهات المطلّة على البحر. أو مشروع أكثر مباشرة، لتطوير الأوزاعي نفسها، مشابه لما كان الحريري يطرحه عبر مشروع «إليسار»، وعطفاً على مشروع عاشور الشهير على شاطئ الرملة البيضاء، قانونياً كان أو غير قانوني، فلا شيء يعصى على المطورين في لبنان.
في أية حال، هناك موجة بدأت منذ السبعينيات حول العالم، لتغيير ديموغرافيا المدن: تهجير الطبقة العاملة والفئات الضعيفة اقتصادياً (كالمهاجرين واللاجئين والملوّنين ونازحي القرى الخ) ودفعها بعيداً عما يمكن أن يكون المركز، اقتصادياً أو سياسياً أو سياحياً. يقول رأس المال لنا بكل سهولة: «أنا الآمر الناهي هنا. وأنا من يقرّر من يستطيع أن يعيش هنا ومن يعمل هنا». وبما أننا اتفقنا على أن البيت عقار بالنسبة للنظام، لا يجب أن يخفى علينا أن للاستيلاء عليه أساليب وأدوات معروفة ومستخدمة في كل العالم، رغم اختلاف تفاصيلها. في الأوزاعي، بدأ رأس المال يطلّ برأسه ويلتفّ حول المنطقة الموصومة. عمله سهل جداً، لأننا جاهزات وجاهزون: لأننا لا نهتمّ بشكل المدينة إذا كان الحيّ غنياً. هي فقط أحياء الفقراء التي تزعجنا. ربّما علينا أن نعترف بأننا مجتمع يكره الفقراء، فنحاول تغطية أثرهم في المدينة. نحن لا نريد القضاء على الفقر، بل القضاء على الفقراء.