يطل عيد الاستقلال هذه السنة والبلاد تواجه تحدياً متعدد الوجوه يتناول سيادتها وعزتها وكرامة شعبها.

انه اختبار لمدى قدرة اللبنانيين على ترجمة الاستقلال وحدة وتضامناً في وجه سلطة خارجية انتهكت سيادتهم، وداست كرامتهم، وحاولت «مسح الأرض» بدستورهم ومؤسساتهم عبر احتجاز رئيس حكومتهم المنتخب شرعياً، والمتولي مسؤولياته بثقة كاملة من ممثلي الشعب الذين رفعوه الى واحدة من أعلى مراتب السلطة، ومن ثم إجباره على تلاوة بيان استقالته من الحكومة من «محجر للحرية» في بلد اجنبي، في سابقة سياسية، أقرب الى الهمجية منها الى التبعية، على نحو آثار ردود فعل مستنكرة من أهم المراجع الدولية وفي مقدمها الأمم المتحدة.

بين الرئيس القوي والبطريرك السائح

ولعل الاختبار الأبلغ الذي سيسجله مدوّنو التاريخ الحديث هو مدى قدرة «الرئيس القوي»، الذي رفعه الشعب الى قصر بعبدا، على ترجمة القوة بالعقل والمنطق وبعد النظر الاستراتيجي لا بالعضلات، والذي لا يستقيم الا اذا كان صاحبه ذا قلب كبير، يفيض عاطفة نبيلة تجلّت في اعتبار الرئيس سعد الحريري بمثابة ابنه، إضافة الى نفس أبية، حرة، ناصعة، مشرقة.
لقد ثبّت الرئيس العماد ميشال عون ان نظرية الرئيس القوي الذي يحتاج اليه لبنان، لم تكن بدعة بل حقيقة، وقد أكد للعالم ان قوة الرئيس هي في قدرته على جمع شعبه حول موقف نبيل يتجوهر بالوحدة الوطنية التي طالما اعتبرها الضمان الأساسي للسيادة والاستقلال.
ولقد أدهش الالتفاف الوطني الجامع الذي تكوّن حول رئيس الجمهورية، مؤيداً بأقصى درجات التضامن من الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط وأرفع المرجعيات الروحية والزمنية ـــ أدهش عواصم القرار في العالم، وساهم في احباط المخطط الذي كان يرمي الى اثارة فتنة، بل فتن طائفية ومذهبية، خصوصاً بعد محاولة شق الصف المسيحي المؤيد للعهد، والذي تجلى في اصرار البطريرك مار بشارة بطرس الراعي على زيارة المملكة العربية السعودية التي تحتجز رئيس حكومته. وقد غطّى بذلك جريمة الاعتداء الذي تعرّض له موقع الرئاسة الثالثة، والاذلال الذي حاولت الرياض ممارسته في حق الشعب اللبناني. كما كان مستغرباً إغداق سيد بكركي الذي أعطي له المجد، الاوصاف «الإلهية» على محتجزي الحريري ودعمهم في ما فعلوه بالرجل، من طريق تأكيد «اقتناعه» بالأسباب التي أدت الى الاستقالة، من دون ان يرف له جفن ــــ وقد عاين الوضع الحقيقي للحريري بعيدا من الاعلام، وبدا وهو يستقبله في مقر إقامته كمن يزور سجيناً في معتقل، فلا يتردد في الاشادة بسجّانه، بل بجلّاده. وغطّى خصوصاً الأسلوب الذي فرض على الحريري بدفعه الى قراءة كتاب استقالة لم يحرّره يراعه، من مكتب أشبه ما يكون بزنزانة. وقد بدا الزعيم الروحي للطائفة التي تعتبر مؤسسة للكيان ومنتزعة استقلاله من الدول العظمى على يد سلفه البطريرك الياس الحويك عام 1919، بدا محتقراً للدستور والقوانين التي ترعى عمل المؤسسات. وثمة من علّق على ذلك بالقول: «اذا كان هذا موقف البطريرك من نظام الحكم في لبنان، فلن يكون هناك عتب على سواه»، علماً ان المفتي عبد اللطيف دريان كان اكثر توازنا، وقد جذب موقفه الكثير من القيادات المسيحية التي زارته وثمّنت طريقة تعامله مع «مأساة» الحريري وتعاطفه مع عائلته وتياره، إضافة الى حرصه على الوحدة الوطنية.

بعد ٧٤ سنة... الاستقلال الثاني بالدماء والعزة الوطنية

قدر لبنان ان ينتظر ٧٤ سنة ليصنع استقلاله بيديه وبدماء ابطاله وكرامة شعبه، يصنع استقلاله الثاني، وهو الحقيقي الذي شاء القدر ان يعمّد بالدم من خلال تحرير الجرود من الإرهابيين وجبل ترابه بدماء الشهداء، أبطال الجيش الوطني والمقاومة المؤمنة، ويتوجّه بوقفة وطنية لرئيس نبيل وشجاع، ثبّت القول بالفعل حين قال «تستطيعون ان تسحقوني لكنكم لا تستطيعون الحصول على توقيعي»، بمعنى ان لبنان سيبقى رأسه مرفوعا ولن تستطيع اعتى القوى وأشرسها إذلاله، ومحنة الحريري هي الشاهد الأكبر.
ومع اكتمال الاستقلال الثاني لم يعد هناك خوف على لبنان.