واقع التحالف والودّ والشراكة بين العدو الإسرائيلي والمملكة السعودية لم يعد خفياً. مقابلة رئيس أركان الجيش الاسرائيلي، غادي أيزنكوت، مع موقع «إيلاف» السعودي، والتي تداولها الإعلام أمس باعتبارها حدثاً استثنائياً، مجرد تعبير إضافي ــــ وإن بدرجة رفيعة ــــ عن مستوى العلاقة القائمة بين الجانبين، وعلى الزخم المطّرد لمسيرة التطبيع بين السعودية وإسرائيل، علماً بأن موقع «إيلاف» يعدّ منبراً إعلامياً سعودياً قابل في السابق مسؤولين إسرائيليين، من بينهم وزير الأمن السابق موشيه يعلون والمدير العام لوزارة الخارجية الاسرائيلية دوري غولد. وقد تكون هذه أهم الدلالات التي غلبت على مقاربة المعلقين أمس.


المقابلة تحمل دلالات تزيد على ذلك، وتتجاوز كونها مجرد تعبير عن حالة تطبيع وشراكة بين الجانبين. فما الذي يدفع أيزنكوت الذي لا يكاد يعطي مقابلات لوسائل الإعلام العبرية، الا في المناسبات الخاصة، إلى استدعاء مراسل الموقع السعودي لـ«يتكرم» عليه بإجراء مقابلة؟
واضح أن المؤسسة العسكرية في إسرائيل أرادت، من منطلق الضرورة والحاجة، أن توصل رسالة، علنية ومكشوفة، وعلى لسان رأس الهرم العسكري، في أكثر من اتجاه: إلى الأذن السعودية، المعنية الأولى بالرسالة ربطاً بهوية الموقع، وإلى الساحة اللبنانية التي انشغلت بالطلب السعودي شنّ حرب إسرائيلية على لبنان، فضلاً عن رسالة طمأنة إلى الداخل الاسرائيلي بأن لا مغامرات عسكرية مقبلة.
في ذلك، يؤكد أيزنكوت، وإن بعبارات غير مباشرة، أن الشراكة مع السعودية مهمة جداً من ناحية إسرائيل، لكنها لا تصل إلى حدّ شنّ حروب بالوكالة عنها: لا توجد لدينا أيّ نية للمبادرة إلى هجوم على حزب الله في لبنان والوصول الى حرب، ولكن لن نقبل بأن يكون هناك تهديد استراتيجي على إسرائيل. أنا سعيد جداً بالهدوء على جانبَي الحدود، الامر الذي استمر طيلة 11 سنة. نرى من الجانب الآخر محاولات إيرانية قد تؤدي إلى التصعيد، ولكنني استبعد ذلك في هذه المرحلة.
لكن من أهم العبارات التي أدلى بها أيزنكوت للموقع السعودي تأكيده أن السعودية لم تكن في أي يوم من الأيام عدوّة لإسرائيل: «هناك توافق تام بيننا وبين المملكة العربية السعودية التي لم تكن يوماً من الأيام عدوة أو قاتلتنا أو قاتلناها، وأعتقد أن هناك توافقاً تاماً بيننا وبينهم في ما يتعلق بالمحور الايراني. فأنا كنت في لقاء رؤساء الأركان في واشنطن، وعندما سمعت ما قاله المندوب السعودي وجدت أنه مطابق تماماً لما أفكر فيه في ما يتعلق بإيران وضرورة مواجهتها في المنطقة وضرورة إيقاف برامجها التوسعية».
والى مقابلة أيزنكوت، انشغلت وسائل الإعلام العبرية أمس، كما في الايام السابقة، بالحديث عن طلب السعودية من إسرائيل شنّ حرب على حزب الله في لبنان. الطلب لم يعد مجرد معلومات خاصة وصلت إلى قيادات معنية بها، أو مجرد تقدير وضع أو تحليل سيناريوات مقبلة، بل حقيقة واقعة أقرّت بها تل أبيب وإعلامها. وكان هذا الطلب مدار سجال بين السياسيين الإسرائيليين، غلب عليه موقف رفض زجّ إسرائيل في حرب تؤكد أنها غير قادرة على تحمّل تبعاتها، وإن كانت والسعودية تتشاركان في المصالح والتطلعات والأهداف، ليس في لبنان وحسب، بل على مستوى المنطقة وما وراءها.
ورفض إسرائيل طلب السعودية شنّ الحرب على لبنان، للتعذر الإسرائيلي أولاً، لا يعني أن الودّ منقوص، أو أن الاهداف مغايرة، أو أن المصالح باتت مختلفة. بل يعني حصراً، كما تقول إسرائيل وإعلامها، أن الشريك السعودي طائش، بلا خبرة مع كثير من رعونة، ويمتهن الفشل والدخول في مغامرات لا جدوى ولا طائل منها. وهذه العبارات وردت في الايام القليلة الماضية في الإعلام العبري، إلى درجة الإشباع.
وكشفت صحيفة «معاريف»، أمس، بصورة مباشرة، أن «السعودية كانت تريد من إسرائيل أن تبادر إلى شنّ حرب على حزب الله في لبنان، تماماً مثلما أرادت عام 2006 أن تضرب بقوة أكبر». مع ذلك، تضيف الصحيفة أنه «يمكن التقدير بيقين، أن إسرائيل لن تبادر هذه المرة إلى استنزاف دماء أبنائها، من أجل مصالح سعودية».
أمس أيضاً، أكدت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن «الخطر الأكبر من جهة إسرائيل هو أن تذهب بعيداً في حلفها مع السعودية. خذوا لبنان كمثال. ربما ليس في مقدور السعودية ضرب حزب الله (عسكرياً)، فيما إسرائيل قادرة على فعل شيء من هذا القبيل، إذ إن السعوديين يريدون من نتنياهو أن يخرج لهم الكستناء من النار، وقد يقدمون لنا المال».
مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة أكدت من جهتها أن لا نية لدى إسرائيل للتورط في حرب مع حزب الله، «فقط لأن التوقيت الحالي مريح للسعوديين». وتحت عنوان «هل يحاول السعوديون توريط إسرائيل في حرب في الشمال؟»، ينقل الكاتب الاسرائيلي المعروف، بن كسبيت، في النسخة العبرية من موقع «مونيتور»، تقديرات ومعلومات عن المؤسسة الامنية الاسرائيلية، تشير بشكل واضح ومباشر الى رفض قاطع للمغامرة العسكرية في لبنان.
بحسب هذه المصادر، فإن «الجيش الاسرائيلي يعلم أنه بات من المؤكد أن المواجهة المقبلة مع حزب الله سينضم اليها كلّ من سوريا المتعافية وإيران، وهي (الحرب) لن تكون شبيهة بما سبقها من حروب». تضيف المصادر أن «قوة النيران الموجودة في حوزة حزب الله، بدعم من (الرئيس السوري بشار) الاسد وإيران، لا تؤدي فقط الى وضع يدفع فيه أعداء إسرائيل ثمناً باهظاً، بل كذلك إسرائيل نفسها». وبحسب المصادر «على هذه الخلفية ونتيجة لهذا السبب، لا أحد في إسرائيل، وتحديداً (رئيس الحكومة الاسرائيلية) بنيامين نتنياهو، سيسارع الآن الى إشعال حرب في الساحة الشمالية، وفتح أبواب الجحيم».