شهدت الصناعات الغذائية في لبنان واحدة من أكبر الصفقات في هذا القطاع مع إعلان شركة «دانة الصفاة» الكويتية، قبل أسابيع، تحويل ملكية شركة «أف أند بي فنتشر لبنان» إلى شركة «الميقات انكوروبوريشن» التي سدّدت 85% من الثمن المتفق عليه والبالغ 52.1 مليون دولار. هذه الصفقة ستتيح للشاري السيطرة على حصّة سوقية واسعة من مبيعات الألبان والأجبان المقدرة بنحو 500 مليون دولار سنوياً.


ففي 18 تشرين الأول الماضي، قدّمت «دانة الصفاة» إفصاحاً في بورصة الكويت يشير إلى «تحويل ملكية شركة أف أند بي فنتشر هولدنغ ـــ لبنان، إلى المشتري شركة الميقات انكوروبوريشن» المملوكة من رجل الأعمال الكويتي بدر الخرافي. ويتضمن الإفصاح، أيضاً، استلام «دانة الصفاة» 44.33 مليون دولار من الثمن المتفق عليه مع الشاري، على أن يدفع بقية الثمن (7.82 مليون دولار) بعد حسم كل ما طرأ من التزامات ومصاريف حتى نفاذ الصفقة.
ويأتي تحويل الملكية بعد سلسلة إفصاحات من البائع في البورصة الكويتية. ففي آذار 2017 أعلنت «دانة الصفاة» أنها تلقت عرضاً من «الميقات» للاستحواذ على 100% من أسهم «أف أن بي فنتشر هولدنغ في لبنان بقيمة 85 مليون دولار». وبعد أقل من أسبوع، كشفت الشركة عن موافقة مبدئية لمجلس الإدارة على العرض ورفع الموضوع إلى الجمعية العمومية وفقاً للأصول. وبعد الاستحصال على موافقة الجمعية العمومية، أعلنت «دانة» في 31 أيار 2017 توقيع عقد البيع، ثم تحويل ملكية الشركة في 18 تشرين الأول الماضي.
والفارق بين العرض (85 مليون دولار) والثمن المسدّد (52.1 مليون دولار) يبلغ 32.9 مليون هي قيمة ديون الشركة.
ومن المعلوم أن «دانة الصفاة» حاولت منذ أكثر من 10 سنوات بيع شركة «أف أند بي» لرغبتها في الانسحاب من مجال الصناعات الغذائية. فعلى ما يبدو، اكتشفت الشركة بعد استحواذها على «اف أند بي» من هنري أبو خاطر، أن ليس لديها القدرة على مجاراة هذه الصناعة التي تتطلب الإحاطة بمفاصل عدة من حلقات الإنتاج وربطها ببعضها البعض وصولاً إلى إنتاج الألبان والأجبان المعلّبة. لذا، عرضت بيع «أف أند بي» على أكثر من طرف، من بينها مجموعة نجيب ميقاتي «م 1» التي تملك إلى جانب محمد غندور مصنع «دايري داي»، لكن الصفقة لم تتم عام 2008 بسبب خلاف على تسعير «أف أند بي» التي كانت، آنذاك، عبارة عن خطوط إنتاج تعمل بطرق تقليدية وبجودة لا يمكن تصنيفها بـ«وسط»، بينما كانت «مزارع تعنايل» صغيرة ودون المستوى المطلوب، بحسب الانطباع الذي خرج به فريق من «دايري داي» بعد زيارته إلى الشركة.


اشترى الخرافي «مزارع تعنايل» و«بون جوس» بـ52 مليون دولار

فشل الصفقة استثمرت «دانة» ملايين الدولارات لتطوير خطوط إنتاجها والمزارع، واشترت معمل «بون جوس» ومصنعاً للبوظة كانت تملكه «ترانسميد». عندها أبدت «ليبان ليه» اهتمامها وعرضت شراء الاصول والموجودات بقيمة 95 مليون دولار، إلا أن الصفقة لم تتم أيضاً، ما أثار الكثير من علامات الاستفهام. فقد تبيّن أن بدر الخرافي الذي كان شريكاً في المجموعة التي تملك شركة «دانة الصفاة»، عرض على شركائه شراء كامل أصول «أف أند بي» وموجوداتها ضمن سعيه لتأسيس «بزنس» منفرد بعد انفصاله عن بقية عائلة الخرافي وبدء توزيع الحصص والمجموعات المشتركة (نقداً أو أسهماً) على أفراد العائلة، وآخرها بيع 12% من أسهم شركة الاتصالات الكويتية «زين». واللافت أن عرض الخرافي جاء أدنى من عرض «ليبان ليه» بنحو 10 ملايين دولار!
هكذا بدأت الصفقة «الفعلية» تتبلور. وتبيّن أن أصول وموجودات «أف أند بي فنتشر» تشمل أراضي مزرعة تعنايل، وأرضاً كانت مملوكة من مصنع بون جوس تمتد على أكثر من 10 آلاف متر مربع في منطقة الفنار، إضافة إلى حصص سوقية كبيرة في مجال الألبان والأجبان والعصائر والحليب السائل والبوظة، فضلاً عن خطوط إنتاج في مصنع مزارع تعنايل. ويقول مطلعون إن حجم الاستثمار يزيد على 45 مليون دولار، وأن حجم الأعمال السنوية يزيد على 20 مليون دولار وأن الأرباح السنوية تتراوح بين 5% و15% من المبيعات، ما يعني أن الشركة تحقق أرباحاً سنوية مقبولة تزيد على مليون دولار سنوياً، على عكس ادعاءاتها السابقة أمام الصناعيين بأنها تخسر وأن كلفة إنتاجها كبيرة وأن لديها نسبة مرتفعة من المرتجعات (تبلغ نسبة المرتجع من مختلف الأصناف 20%) علماً بأن كلفة المرتجع محسوبة من ضمن سعر كلفة المبيع.
وتبيّن أيضاً أن حصّة «اف اند بي» من مبيعات اللبنة تصل إلى 40% من مجمل مبيعات سوقية تقدر بنحو 50 مليون دولار، وأن لديها نسبة 33% من مبيعات اللبن، و15% من مبيعات الحليب السائل، و20% من مبيعات الجبنة و5% من الحليب المخلوط مع نكهة، إضافة إلى حصّة وازنة من مبيعات العصير تحقق أرباحاً كبيرة لأن كلفة هذه السلعة لا تتجاوز ربع سعر مبيعها... هذه الحصّص السوقية لا تؤمن للشركة أرباحاً مقبولة قياساً على المردود الإجمالي الضعيف للصناعات الغذائية، بل تعد منصّة للتصدير الذي يوفّر إيرادات كبيرة نسبياً. وفيما تقدّر مصادر الشركات الكبرى في مجال صناعة الألبان والأجبان المبيعات الإجمالية في لبنان بقيمة 500 مليون دولار سنوياً، تلفت الى أن هناك 500 مليون دولار أخرى تمثّل السوق الموازية، اي المصانع غير المرخصة والمراكز الصغيرة في الأرياف التي تبيع اللبنة والجبنة والحليب من دون المرور بالقنوات المعلنة المعتادة.
كل هذا يجعل شراء بدر الخرافي لهذه الشركة فرصة ذهبية للفوز باستثمار من هذا الحجم في بلد ارتفع فيه استهلاك السلع الأساسية بشكل كبير بعد تدفق أكثر من 1.5 مليون نازح سوري. علماً أن الألبان والأجبان والعصائر والبوظة المنتجة في «اف أند بي» تأتي ضمن مستويات إنتاج مختلفة. فمن المعروف أن لبنة «بون جوس» أرخص من لبنة «مزارع تعنايل» نظراً إلى الفارق بين تقنيات الإنتاج بينهما وفي المواد الأولية. كما أن عصائر «بون جوس» رخيصة الثمن فيما الأجبان المنتجة في مزارع تعنايل أغلى من مثيلاتها في السوق. وفي هذا دلالة على الشرائح الاستهلاكية التي تستحوذ عليها الشركة من خلال ملكيتها لهذين المصنعين ولعلامات تجارية مختلفة.