أطلق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، معركة «الوقوف في وجه الطلب على الدولار»، طالباً من المصارف رفع الفائدة إلى 10% و11% وصولاً إلى 15% إذا أمكن (وصلت الفائدة على الودائع على الليرة إلى 15% في الأيام التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري). وبحسب مصادر مصرفية مطلعة، فإن مجموعة مؤشرات دفعت الحاكم نحو هذا الخيار الذي قد تكون له تبعات سوقية خطيرة، مع تسجيل مجمل الطلب على الدولار ما مجموعه 3 مليارات دولار بين 4 تشرين الثاني الجاري و20 منه، واستمرار الطلب بوتيرة مقلقة رغم كل الإجراءات التي بدأ مصرف لبنان تنفيذها منذ اليوم الأول للأزمة. إذ عاد الطلب أمس إلى الارتفاع، مسجلاً 300 مليون دولار، فيما تبيّن أن 1.2 مليار دولار خرجت من لبنان.


طلب سلامة جاء أمس في اللقاء الشهري مع مجلس إدارة جمعية المصارف، الذي أبلغهم فيه أنه «لا يجب تشتيت الجهود»، وأن هناك أولوية «للوقوف في وجه الطلب على الدولار»، حتى لو تطلب الأمر «إغراء الزبائن بفائدة أعلى على الليرة». وتحدّث عن مواصلة سياسة الامتناع عن حسم السندات والامتناع عن تعويم السوق بالليرة حتى لا تستعمل لتمويل الطلب على الدولار، وبالتالي على المصارف أن تقوم بما يلزم للحصول على السيولة اللازمة. وبحسب مصادر مصرفية، فإن اللقاء كان طويلاً وامتدّ لثلاث ساعات. وحاولت المصارف أن تناقش مخاطر تعويم السوق بالليرة مع ارتفاع فائدة الإنتربنك إلى 120%، لكن سلامة كان حاسماً وعرض تنفيذ هندسات تتضمن استبدال سندات الـ«يوروبوندز» التي حصل عليها من وزارة المال في العمليات الأخيرة، وهي سندات تستحق بعد 10 سنوات، مقابل استقطاب دولارات طازجة وتقديم السيولة بالليرة للمصارف. إلا أن المصارف لم تبدِ اهتماماً بهذه الهندسة، باستثناء مصرف واحد.
وبحسب المصادر، تحدّث سلامة عن سبب نقص السيولة الذي أصاب غالبية المصارف، مشيراً إلى أن المصارف وظّفت جزءاً كبيراً من سيولتها بالليرة بأدوات مالية طويلة الأمد، رغم أن لديها ودائع واستحقاقات قصيرة الأمد، منتقداً ما قامت به يوم تنفيذ الهندسات المالية وانجرافها نحو مغريات الأرباح. إذ رفعت أسعار الفوائد على الودائع بالدولار بصورة غير مبرّرة لتوسيع استفادتها من التوظيفات لديه بالليرة. سلوك المصارف قلّص الهامش بين الفائدة على الليرة والفائدة على الدولار إلى حدّ أن الفائدة على الدولار صارت مغرية أكثر. عندها ردّ بعض المصرفيين بالإشارة إلى أنّ المبالغ الناشئة عن تحويل الودائع من الليرة إلى الدولار بسبب الأزمة الحالية تعود إلى مصرف لبنان، وبالتالي فلا داعي لهذه الإجراءات القاسية. إلا أن سلامة أصرّ على أنه يجب «ضبط التصرفات».
ونقل سلامة للمصارف أجواء اتصالاته بالمؤسسات المالية العالمية التي أبلغته أن الاستقرار في لبنان خطّ أحمر أكثر من أي وقت مضى بسبب «وجود مليون ونصف مليون نازح سوري»، مشيراً إلى أن حجم الأزمة الحالية «ليس كما يبدو على وجوهكم».


وزارة المال
استبدلت سندات مع مصرف لبنان
بـ1.7 مليار دولار




وكان مصرف لبنان قد اتخذ إجراءات لضبط الطلب على الدولار ومنع حسم السندات، وتحريك الحسابات المجمّدة قبل الاستحقاق، ويفرض تسديد المبالغ فوراً لشراء الدولارات. عندها لم يعد بإمكان أي مودع تحريك حساباته المجمّدة قبل استحقاقات الودائع المجمّدة التي تأتي بمعدّل مرّة كل خمسة أيام تقريباً، وهو ما جعل الطلب منظّماً على فترات متقطّعة. وعند استحقاق الوديعة المجمّدة، لم يكن أمام المصارف سوى خيارين: قبول طلب التحويل على الدولار وتنفيذ العملية لحساب الزبون، أو إغراء الزبون بفوائد أعلى من الفوائد الرائجة بهدف إبقاء وديعته بالليرة، وهو ما أدّى إلى ارتفاع أسعار الفائدة إلى 9%.
وبسبب ما فرضه مصرف لبنان لجهة تسديد ثمن شراء الدولارات فوراً، فإن المصارف كانت تحتاج إلى السيولة لتنفيذ عمليات التحويل من الليرة إلى الدولار. لكن السيولة المطلوبة في السوق لم تكن متوافرة لدى المصارف، ما أدّى إلى رفع فائدة الإنتربنك من 4% إلى 120%، وقد انخفضت قليلاً أمس إلى 105%. وبحسب مصادر مصرفية، فإن عدداً محدوداً من المصارف كان لديه سيولة لإقراض المصارف الأخرى بفوائد باهظة، ولا يتوقع أن تنخفض فائدة الإنتربنك قريباً.
هذه الحصيلة يعدّها المصرفيون «مقبولة»، أي إن معدل الطلب اليومي على الدولار في ظل أزمة كهذه يبلغ 273 مليون دولار، إلا أن المقلق يكمن في استمرار هذه الوتيرة من الطلب واستنزاف احتياطات مصرف لبنان.
وقبل ساعات على لقاء سلامة بالمصارف وتشجيع رفع الفائدة، كانت وزارة المال قد أعلنت انتهاء العمليات المالية مع مصرف لبنان، وهي عملية مماثلة لما نفذ في آذار الماضي، وقد استعملها مصرف لبنان لتنفيذ هندسات مالية واسعة مع المصارف ومنحها أرباحاً إضافية بقيمة 5 مليارات دولار.
وزارة المال أعلنت أنها أصدرت سندات «يوروبوندز» بقيمة 1,7 مليار دولار اكتتب بها كلها مصرف لبنان ويدفع ثمن الاكتتاب فيها من خلال إطفاء سندات خزينة بقيمة 2562 مليار ليرة.
سندات الخزينة التي كان يحملها مصرف لبنان كانت قد أُصدرت بين عامي 2011 و2017، وهي تستحقّ بين العامين 2018 و2025، بينها نحو 2000 مليار تستحقّ في السنتين المقبلتين. وفي المقابل، توزّعت سندات الـ«يوروبوندز» الجديدة على شطرين: سندات بقيمة مليار دولار تستحق عام 2031 بفائدة 7,15%، وسندات بقيمة 700 مليون دولار أميركي تستحق عام 2028 بفائدة 7%. «وقد جاءت الفائدة مماثلة لعوائد اليوروبوندز اللبنانية المتداولة عالمياً في الأشهر الماضية وقريبة لفوائد الإصدار الذي أنجزته وزارة المال في آذار الماضي».
وبهذه العملية، تكون وزارة المال قد مدّدت آجال استحقاق 2% من إجمالي الدين العام بـ10.27 سنة ليصبح إجمالي الدين بالعملة الأجنبية 40% مقابل 60% بالعملة المحلية، وهو التوزيع الذين تطمح إليه الوزارة من خلال استراتجيتها لإدارة الدين العام. علماً بأن الاستبدال لا ينتج انتقال أموال نقدية بين وزارة المال ومصرف لبنان، ولا يسبّب ارتفاعاً في الدين العام، بل يغيّر فقط في تكوينه، ويوفّر لمصرف لبنان احتياطات إضافية بالعملة الأجنبية من خلال سندات جديدة لإدارة السيولة في السوق المحلية.
ما لم تقله الوزارة في بيانها أمس، أن عملية الاستبدال تتضمن مرحلة ثانية. إذ إنها فرضت على مصرف لبنان أن يكتتب بسندات خزينة تصدرها الوزارة بقيمة إجمالية تبلغ 3000 مليار ليرة وبفائدة 1%. الوفر المحقق من هذه العملية، بحسب مصادر مطلعة، يبلغ 6 نقاط مئوية، أي ما يوازي 180 مليار ليرة، وإذا احتسبنا أجل السند الوسطي الذي يمتد على 7 سنوات، فإن الوفر الإجمالي المتوقع من هذه العملية يصل إلى 1130 مليار ليرة.