«يقيناً إنه من المبالغ فيه الحديث عن عودة تامة لفرنسا إلى الشرق الأوسط، أو عن تجديد سياستها العربية»، يشرح أحد كبار الدبلوماسيين في الخارجية الفرنسيين، مضيفاً: «بعد وقت قليل من وصوله إلى الإليزيه، إيمانويل ماكرون وصف بعبارات قاسية جداً سياسة سلفيه نيكولا ساركوزي، وفرانسوا هولاند، وان حصيلتها كانت صفرية، خصوصاً في الشرق الأوسط حيث اختفت فرنسا تقريباً... الأمر المؤكد أننا نشهد تغييراً في مقاربة القضايا. لكن المهم الآن هو معرفة ما إذا كان ذلك سيترسخ، وسيترجم بصفة دائمة في توازن العلاقة مع الرياض وطهران».


سيرة من خمسة فصول:


الفصل الأول:

ما يصفه دبلوماسيون فرنسيون آخرون «عودة نوعاً ما لفرنسا» يكمن في الحكم القاسي على الدبلوماسية السابقة التي «أُهملت وتُرك أمرها لإيديولوجيي الـ«كي دورسيه» الذين كانوا يستلهمون مفاهيم آتية من الخارج»، كما جاء على لسان الرئيس الجديد للجمهورية الفرنسية.
هذا الحكم الجليّ رجع صدى لما قاله وزير الخارجية السورية وليد المعلم في تموز ٢٠١٢ من «أن فرنسا اختفت عن شاشة رادارنا». في آذار من عام ٢٠١٢، بعد عام من اندلاع التمرد في درعا، تنكب وزير الخارجية الفرنسية ألان جوبيه، آنذاك، مسؤولية إقفال سفارة فرنسا في دمشق، ليدفع الاتحاد الأوروبي إلى تشديد العقوبات ضد سوريا. هذه الوجهة سيرسخها لاحقاً، لوران فابيوس، بعد انتخاب فرانسوا هولاند رئيسا في نيسان من عام ٢٠١٢: اختُرعَت «السياسة الاقتصادية الجديدة» التي ترتكز على مضاعفة إبرام الصفقات الضخمة مع العربية السعودية التي كانت تعيش فتوراً في علاقاتها مع الولايات المتحدة ورئيسها باراك أوباما في سعيه لعقد اتفاق دولي مع إيران في ملفها النووي.

الفصل الثاني:

الفصل الثاني المؤسس للمقاربة الفرنسية الجديدة، هو هزيمة داعش في العراق، وفي سوريا. في الواقع توقفت عملية «الشمال»، وهو الاسم الذي الذي أطلقه الجيش الفرنسي على العملية التي كان يقوم بها في إطار التحالف الدولي ضد داعش. إن وقف هذه العملية اكتمل مع عودة المقاتلات الفرنسية من الأردن، وتخفيف الوجود الفرنسي في قاعدة الظفرة في أبو ظبي، وإعادة انتشار القطع البحرية الفرنسية في المتوسط الشرقي والغربي. إن هذا الانسحاب العسكري سيضاعف من شبه اختفاء فرنسا هذا في المنطقة.

الفصل الثالث:

الفصل الثالث بدأ في مؤتمر السفراء الفرنسيين في باريس، في آب الماضي. في خطاب السياسة الخارجية الأول لإيمانويل ماكرون ارتسمت حزمة من الانعطافات. سيحدّد الرئيس الفرنسي بوضوح ضرورة تفادي «انفجار سوريا سياسياً وجغرافياً»، مستحضراً الأوضاع في العراق وليبيا. سيكرر الرئيس أنه لا ينبغي شخصنة الملف، وأن المصير الشخصي للرئيس بشار الأسد ليس القضية تحديداً. صرخ «الثوريون على ضفاف نهر السين»: يا للفضيحة! في مقدمتهم جان بيار فيليو، وسطروا هجائيات طويلة في صحيفة «ليبراسيون»، يستنكرون فيها التسامح مع «سفاح دمشق». هذا الحدث يسجل تراجع تأثير «رفاق درب الثورة السورية» في الإليزيه، وفي الكي دورسيه.


ينبغي للدبلوماسية
الفرنسية أن تتحرر من ثقل تأثير الأوساط المؤيدة لإسرائيل

الفصل الرابع:

هذا الفصل سيدور مع الإعلان المفاجئ لاستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من الرياض. لم يكن إيمانويل ماكرون خبيراً بالعالم العربي، رغم ما يردده في الجلسات الخاصة من أنه «قرأ كتابَي جورج قرم عن الشرق الأوسط الممزق، ولبنان المعاصر». لكن ذلك يثير فضوله واهتمامه، كما يعلق أحد مستشاريه، مضيفاً: «هو يعلم بالسليقة أن ما يجري في لبنان لا يمكن رئيساً فرنسياً أن يتجاهله». هكذا، ما إن أُعلنَت استقالة سعد الحريري، حتى نفخ في النفير: كل الإدارات وأجهزة الدولة الفرنسية، دُعيت للمساهمة في ابتكار أفكار واقتراحات «للعثور على حل دائم يضمن استقرار بلاد الأرز».

الفصل الخامس:

هذا الفصل شهد الانخراط الشخصي للرئيس الفرنسي الذي سينتهز مناسبة افتتاحه لمتحف اللوفر في أبو ظبي، ليدلي بتصريحات لمصلحة بلدان الخليج. ففي قاعدة الظفرة الفرنسية ــ الإماراتية، على بعد ٢٠٠ كيلومتر من السواحل الإيرانية، سيكشف عن قلقه من البرنامج الصاروخي الإيراني. بفضل ذلك، كان الرئيس يرجّح كفة الموقف الفرنسي لمصلحة العربية السعودية. إيمانويل ماكرون على دراية تامة بمآخذ العربية السعودية على فرنسا التي تفضل عودة سريعة لرجال أعمالها إلى إيران. كذلك فإن زيارة لطهران وُضعت على جدول أعمال الرئيس العام المقبل.
في الرياض، لم تحظَ بالتقدير الخطوة الفرنسية بإنهاء مهمة السفير برتران بيزنسنو، مع أنه مكث في المملكة تسعة أعوام متواصلة (بعثة أي سفير لا ينبغي أن تتجاوز أربعة أعوام). «أصبح بيزنسنو شخصية أليفة في القصر الملكي، وما كانت تصدر عنه أي انتقادات للنظام الوهابي، بينما استُقبلَ خليفته فرانسوا غويات، القادم من تونس، بكثير من الريبة، وهو المعروف بسمعة عدم السكوت عن أي شيء»، يقول أحد المحللين في إدارة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
الحركة الأخيرة من الفصل الخامس وقعت عندما كلف الإليزيه سفيره في الرياض تنظيم لقاء مع ولي العهد الشاب محمد بن سلمان، في طريق العودة من الإمارات إلى باريس. إيمانويل ماكرون، المقتنع بأنه يتفوق بذكائه على الأمير الشاب غير المثقف، قادر على التهامه بسهولة. «هذا ما حدث تقريباً، لكن الإعجاب سيكون متبادلاً، وقد اقتنع السعوديون بأن إخراج سعد الحريري عبر باريس هو تسوية جيدة»، بحسب مستشار دبلوماسي في الإليزيه.

السفراء وأجهزة المخابرات الفرنسية

«فرانسو غويات الممتاز»، كما يلقبه أصدقاؤه المقربون، مع بعض السخرية، مهّد العملية مع سعد الحريري. الرئيس ماكرون سعى من دون توقف إلى إقناع مفاوضه السعودي بتليين موقفه من الاستقالة «لتجنيب لبنان أزمة فد تكون أخطر من كل ما سبقها من أزمات، وأشد قتلاً. وبالرغم من أن ضجيج الأحذية الثقيلة يملأ الجوار، نخشى على لبنان هبوب موجة جديدة من الهجمات الإرهابية»، يقول المستشار نفسه.
في هذا الوقت، كان برونو فوشيه السفير الفرنسي في بيروت، بعد طهران، يجول على الطبقة السياسية اللبنانية مبشراً بكلمات الرئيس ميشال عون: رفض الاستقالة، والتهدئة، وعدم التسرع باتخاذ أي قرار قبل عودة الرئيس الحريري إلى لبنان. في حالة غويات كما في حالة فوشيه، نقف إزاء عارفَين بالمنطقة «لا يدّخران جهداً لإتمام عملهما، والرئيس يعي ذلك»، كما يقال في الكي دورسيه. على العكس من ساركوزي الذي كان يكره السفراء، أو هولاند الذي يرتاب بهم، يعشق ماكرون سفراءه «ويضعهم في موقع المسؤولية ويحضهم على القيام بعملهم، ويصغي إلى تحليلاتهم، ويحترم تقييمهم»، يقول مصدر في مكتب الرئيس في الإليزيه.
الوجهان الآخران البارزان في الإدارة هما فيليب اتيان، المستشار الدبلوماسي للرئيس، وهو مدرّس رياضيات سابق وديغولي براغماتي، وموريس غوردو مونتانيي. وهذا الأخير عراب القرار ١٥٥٩ الذي سبّب نتائج كارثية في المنطقة؛ «قام بذلك كمنفّذ للأوامر، وليس تعبيراً عن قناعة إيديولوجية، وهو لا ينتمي إلى المحافظين الجدد»، بحسب سفير فرنسي.
بالإضافة إلى الاستعانة بخبرات ديغولية، عمد الإليزيه إلى تشغيل برنار إيمييه. السفير السابق في تركيا والجزائر ولبنان، والمدير الحالي لجهاز المخابرات الفرنسية الخارجية؛ «إنه رجل يعشق عمله إلى حد الجنون والنوم بين ملفاته، وهو ديغولي متطرف مستعد لقطع ذراعه في سبيل الحفاظ على مصالح فرنسا الأزلية»، يعلّق مدير سابق للمخابرات الخارجية.
في الخلاصة، إن عودة ما لفرنسا إلى الشرق الأوسط جرت في فصول خمسة، عبر الانخراط المباشر للسفراء، بدعم من إدارتهم البعيدة عن المحافظين الجدد، والقريبة من الديغولية السيادية. لعب هؤلاء أدوارهم إلى جانب الأجهزة الأمنية الفرنسية «لأن الولايات المتحدة تركت لفرنسا إدارة هذا الملف الذي لا يعنيها إلا قليلاً، باستثناء الشق المتعلق منه بحزب الله»، يقول دبلوماسي كبير في الكي دروسيه، مضيفاً: «لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به».

زوار المساء

في الواقع، يقول الدبلوماسي الكبير: «إن عودة فرنسا إلى الشرق الأوسط ليست أمراً محسوماً. ذلك أنها لا تستند حتى الآن إلى دبلوماسية مبنية دائمة ومتحررة من الجاذبية الأميركية والأطلسية، ولكن إلى ضربة حظ جيدة، قد ترتد على أصحابها». المحافظون الجدد لا يزالون أكثرية في الخارجية الفرنسية. «جيروم بونافون، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي كان يحلم سراً بغزو داعش لدمشق، لم يمسّ ورقة واحدة خلال هذه الأزمة»، بحسب أحد زملائه الذي يضيف: «لكن قطيع المحافظين الجدد لم يقل كلمته الأخيرة، ولا يزال يسعى إلى تضليل وزير الخارجية جان إيف لودريان لكي ينسف العلاقات مع إيران»، وكادوا أن ينجحوا خلال زيارة وزير الخارجية للرياض. إذ لم يتوقفوا عن إصدار التعليقات المزعجة ضد طهران وبرنامجها الصاروخي مرددين فيها حجج واشنطن وتل أبيب. «لودريان اشتراكي من النمط القديم، يردد لكل واحد ما يحب أن يسمعه، وهو اشتراكي قديم من مقاطعة البريتاني قادر على بيع القرنبيط للطوارق»، يقول مساعد سابق في وزارة الدفاع: «لا يملك لودريان قدرة على التحليل الجيوسياسي، ليكون زائراً من زوار الإليزيه المسائيين، والتأثير بإيمانويل ماكرون».
زائر مساء آخر، تنسب إليه القدرة على التأثير، لكنه فاقد القدرة على الكلام: هوبير فيدرين، وزير الخارجية الأسبق، الذي لا يوحي بالثقة للرئيس، على العكس مما يقال هنا وهناك. «من الآن فصاعداً، هوبير فيدرين ليس أكثر من مستشار في العلاقات الدولية يؤمن بأن الزبون محق دائماً، ولا يخاطر بتقديم آراء أو تحليلات مستقلة، لا تنسجم مع مصالحه الفورية»، بحسب ما يرى باحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، رغم قربه من وزير الخارجية الأسبق.
في النهاية، الفضل في نجاح ماكرون بتحقيق «عودة فرنسية ما إلى الشرق الأوسط » يعود إلى استخدام ذكي وموفق وموضعي لدبلوماسييه، أكثر مما يعود لزوار المساء. من المبكر جداً الحديث عن «سياسة عربية جديدة لفرنسا». وأترك ختام الكلام لأحد كبار السفراء الفرنسيين للاستنتاج: «لكي نلعب دوراً في الوساطة بين طهران والرياض ينبغي لدبلوماسيتنا أن تتحرر من ثقل تأثير الأوساط المؤيدة لإسرائيل في مراكز القرار... وهي معركة لا يزال الانتصار فيها بعيداً».

■ لقراءة المقالة في أصلها الفرنسي انقر هنا