الرئيس ميشال عون كان أول من «غسل» يديه من الحكومة الثانية لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، على اعتبار أنّ أولى حكومات العهد تكون بعد الانتخابات النيابية. حُكي الكثير عن أنّ مقصد عون أنّه يريد أن تبدأ الناس بالمحاسبة بعد أن يكون التغيير قد شمل معظم مؤسسات الدولة. ولكن شتّان بين الطريقة التي تعامل بها الرئيس مع حكومة «ابنه» سعد الحريري، وبين عمل القوات اللبنانية من أجل فرط الائتلاف الحكومي الذي كان «ماشي حالو».

مُجرّد التلويح بتقديم وزراء «القوات» استقالتهم، والتماهي مع السياسة السعودية في ضرب الاستقرار المحلّي، يعني أنّ شظايا قذائف معراب على السراي الحكومي سترتدّ وتصيب قصر بعبدا، وبالتالي ضرب «عهد عون» الذي تتغنّى «القوات» بأنّها هي التي جرّت الحريري إلى خياره السياسي، قبل أن تُفاجأ بأنّ حجمها لا يسمح لها بأن تكون «شريكة»، فتبدأ «الانقلاب». داخل التيار الوطني الحر اقتناع راسخ بأنّ القوات اللبنانية «كانت تستهدف التسوية والعهد. هذا أكيد.

أداء الحزب خلال أزمة الحريري، قبل احتجازه في السعودية وما بعده، كان مُلفتاً بطريقة سلبية». هل هذا يعني أنّ العلاقة، المتوترة أصلاً، بين «التيار» و«القوات» تأزّمت أكثر بعد تاريخ 4 تشرين الثاني؟ «الأحداث أكدّت المؤكد بأنّ العلاقة غير جيدّة، وقيادة معراب من خلال الطريقة التي تصرّفت بها أخيراً، لم تُساعد في تحسين الأمور بيننا»، تقول مصادر رفيعة المستوى في «التيار». بدأت المقارنة الجدية، لا سيّما من قبل مُقرّبين من الوزير جبران باسيل، بين رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع «الذي شبّ ويشيب على عدم احترام المؤسسات الدستورية والشرعية، والحريري الذي أبدى، مع فريقه الاستشاري اللصيق، حرصاً كبيراً على الاستقرار». لا تأتي هذه المقارنة من فراغ. فهي تترافق مع وجود ائتلاف طبيعي، فرضته التطورات السياسية الأخيرة، بين عون والحريري وحزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، لا شيء يمنع تطوره إلى تحالف انتخابي.
صحيح أنّ احتجاز الحريري في السعودية ترك ندوباً إضافية في العلاقة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية.


مصادر معراب: قياديون في «المستقبل» يهجمون على القوات في مجالس خاصة
وقد دخلت «أو تي في» على خطّ «التشكيك» في دور «القوات» في ما حصل وعلاقتها مع السعودية، عبر السؤال خلال تقرير بُثّ في نشرة 23 الشهر الجاري: «لماذا حاز جعجع شرف تلقيبه بحارس الدولة من الوزير السعودي ثامر السبهان في خضم أزمة الحريري؟ هل سيُخبر رئيس حزب القوات يوماً عمّا حصل مع السبهان يوم زاره الأخير في معراب في 24 آب 2017، أي قبل شهرين على ما قيل إنه استقالة رئيس الحكومة؟». إلا أنّ السؤال عن العلاقة بين معراب و«الرابية» يقود إلى جواب عن سوء العلاقة بين تيار المستقبل و«القوات»؛ فالمشكلة الأكبر، بحسب المصادر في التيار الوطني الحر، تبقى «في العلاقة بين الحليفين السابقين (المستقبل والقوات). نحن لم نولِ القوات اهتماماً كبيراً في الأسبوعين الماضيين». وأمام الكلام القاسي بحقّ جعجع وفريقه السياسي، من قبل الدائرة الضيقة المحيطة بالحريري، أكان همساً أم في العلن، لم يبقَ من حلّ أمام «القوات» سوى العمل على إصلاح علاقتها بتيار المستقبل، خاصة أن لا أحد من قوى «الصف الأول» يُبدي حماسة لمدّ اليد لجعجع.


مصادر معراب الرسمية تقسم الحديث إلى شقين؛ في القسم الأول، هناك العلاقة مع الرئاسة الأولى، «حيث كنا في الأيام الـ15 الأخيرة نؤكد دائماً على دور فخامة الرئيس في معالجة الأزمة». إلا أنّ تبريرات «الحُراس» جاهزة: «لم نتحدث عن الاستقالة بعد ما قامت به السعودية، بل قبل أشهر، وقد ربطناها بوجود ملفات فساد وحزب الله. كلّ ما قمنا به كان احتراماً منا للعهد وحرصنا عليه، ويصبّ في مصلحة التسوية الرئاسية». وفي رأي القوات اللبنانية، أنّ الأيام «أثبتت صوابية خياراتنا. وقد أعاد الحريري تكرار شروطه من قصر بعبدا، التي كان قد تحدّث عنها من الرياض»، علماً بأنّه «أُثبت علمياً» أنّ رئيس الحكومة في بيروت لا يمتّ بأيّ صلة للحريري الذي أُجبر على تلاوة بيانٍ في السعودية. بعد انتهاء مهلة التريث، «وإذا نجحت الجهود، يكون ذلك في سبيل إعادة انطلاق المشروع (التسوية) بشكله الصحيح».

تستغرب القوات
عدم صدور بيان مستقبلي لنفي «الشائعات» بحق القوات


تنفي مصادر معراب الرسمية أيّ تطور سلبي أو إيجابي في العلاقة مع العونيين. تنتقل بدورها إلى التكلّم، بعتب، عن التيار الأزرق: «المشكلة التي يجري الحديث عنها هي بيننا وبين تيار المستقبل. ففي وقت كنا نعمل استراتيجياً، سمعنا الكثير من الشائعات بحقنا، من دون صدور بيان نفي لها من قيادة تيار المستقبل». وتشرح المصادر أنّه يوجد في تيار المستقبل قياديون «انجروا، عن قصدٍ أو غير قصد، مع محاولات حزب الله تخريب العلاقة بيننا وبين المستقبل. استغلوا غياب الحريري للمساهمة في رمي الافتراءات، علماً بأنّ تحالف القوات ــ تيار المستقبل هدفه خلق توازن مع حزب الله». تتهرّب القوات اللبنانية من تسمية «المتهمين» في تيار المستقبل بتخريب العلاقة مع معراب، «ولكن نعرف أنّهم في مجالس خاصة يهجمون على القوات، وهذا أمر غير مقبول بالنسبة إلينا، لأنّ كل ما يتحدثون به هو مغالطات (مثلاً وصف القوات بـ«كتبة التقارير») لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة. نأمل أن يتم وضع حدّ لهذه التصرفات، لأنّهم بذلك يحرفون النقاش عن المحاولات الإقليمية ــ الدولية لتحصين موقع الدولة في لبنان».




المردة: ميشال عون يُمثّلنا!

التصريح الرسمي لتيار المردة حول أسر السعودية لرئيس الحكومة سعد الحريري، وإجباره على تقديم استقالته، انحصر بثلاث تغريدات لرئيس «المردة» النائب سليمان فرنجية، الذي شارك في اللقاءات الاستشارية في قصر بعبدا. الأولى بعد ساعات من إطلالة الحريري على «العربيّة»، كتب فيها فرنجية انّ «استقالة الحريري لا نعرف سببها وهذا قراره، ولكننا لن نرضى برئيس حكومة يتحدّى المكوّن السنّي ولا يحظى برضى وطني». بدا فرنجية كمن يقفز إلى المرحلة الثانية، أي قبول الاستقالة والذهاب إلى استشارات جديدة، حتّى قبل أن تتضح أسباب الاستقالة، وما إذا كان الرجل قيد الإقامة الجبرية أو لا. في 10 تشرين الثاني، غرّد فرنجية مرتين؛ في الأولى تأكيد أنّ «كرامة وطننا من كرامة رؤسائنا، فلنبدِّ مصلحة الوطن على حساب الحاقدين. مع عودة سعد الحريري»، ليُشدّد في الثانية على أنّه «لا نريد العودة إلى الماضي، فالماضي سيّئ للجميع، ولكن في الماضي والحاضر والمستقبل لن نتغيّر». خلاف ذلك، لم تسجّل لـ«المردة» جهودٌ «استثنائية» في العمل لحلحلة أزمة الحريري. التصريحات شبه غائبة، حتّى تلك التي تنتقد مملكة الوصاية، التي تعدّت على السيادة اللبنانية. توضح المصادر في «المردة» أنّ التغريدة الأولى «أتت في سياق أنّ الكل لم يكن يُدرك حيثيات الاستقالة، وما إذا كان الحريري مُحتجزاً. الجميع بدأ الحديث عن حكومة جديدة، بمن فيهم قيادة التيار الوطني الحر. ولكن مع تقدم الساعات، أصبحت هناك معطيات جديدة وتأكدنا أنّ الحريري في الإقامة الجبرية». تسأل المصادر «ما الذي كان يفترض بنا أن نقوله؟ ندين السعودية؟ نعم كان هناك وضع ملتبس، ولكن حتى (رئيس مجلس النواب) نبيه بري، لم يدنهم مباشرةً». ويرى تيار المردة أنّ موقفه هو من موقف فريق 8 آذار، «ومؤيدون لمواقف الرئيس عون، وكنا على تنسيق تام مع حزب الله. في مكانٍ ما، اعتبرنا أنّ المزايدة قد تضرّ بالحريري، لذلك اعتبرنا أنّ موقف الدولة الرسمي، ممثلة بعون، هو موقفنا».
(الأخبار)





الكتائب «يتريث»... أيضاً!

في ملفّات النفايات، والمكبّات العشوائية، ومناقصة الميكانيك، ومرفأ بيروت... يكون حزب الكتائب، في حلّته الجديدة، من أوائل حاملي الراية للدفاع عن «حقوق المواطن». ولكن، في ملفّ سيادي أساسي يتعلّق بإجبار السعودية رئيس حكومة لبنان سعد الحريري على تقديم استقالته من الرياض، واحتجاز حريته، تنتظر قيادة الصيفي 12 يوماً قبل إصدار موقف، لا يأتي على ذكر تصرّفات المملكة الوهابية. يظهر حزب الكتائب كأنه يتحول إلى «منظمة غير حكومية»، مُتخصّصة في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية، متناسياً أنه أحد أقدم الأحزاب السياسية في لبنان. «التريّث» في إصدار موقف كتائبي، انسحب أيضاً على إعلان الحريري تريّثه في تقديم استقالته، يوم الاربعاء. المكتب السياسي في حزب الكتائب اجتمع عند الرابعة من بعد ظهر أمس «استثنائياً»، من أجل التشاور في آخر خطوات رئيس الحكومة، من دون أن يصدر بيانٌ عن المجتمعين، «بانتظار اجتماع المكتب السياسي يوم الإثنين»، بحسب المصادر.
لا يزال «الالتباس» يُسيطر في الصيفي. «لا نزال نحاول جمع المعطيات والمعلومات من أجل حسم موقفنا، لأنّه يجب أن يكون لنا قرار في ما يحصل». فكلام الحريري من بيت الوسط، ومن عين التينة أول من أمس، «هو خلطٌ للأوراق، بعد أن نجح حزب الله و8 آذار في حرف الأنظار عن الخلاف الحقيقي وتحويله إلى معركة الحفاظ على استقرار البلد والأمن».
تُدافع المصادر الكتائبية عن حزبها بتأكيد أن الحزب «لم يتحول إلى منظمة غير حكومية»، سائلةً: «ما الذي كان بالإمكان قوله؟ من كان قادراً على حسم الالتباس؟». حين كان الحريري خارج البلد، «فضّلنا عدم التعليق قبل رجوعه. كان النقاش يدور حول شكل الاستقالة، وماذا يرتدي، وكيف يظهر. الآن عاد الحديث إلى إطاره السياسي، وبات بالإمكان تقديم موقف».
في ما خصّ التريّث في تقديم الاستقالة، يعتقد حزب الكتائب أنّ «التريث، أو التهديد بالاستقالة، أو الاستقالة، خطوات لها المفعول نفسه في حال لم تتم معالجة الخلل الأساسي، وهو النأي بالنفس ومعالجة سلاح حزب الله في الداخل، أي الدفاع عن السيادة. هذه النقطة الأخيرة، لا يبدو أنّه سيتم التطرق إليها في الحوار بين أطراف السلطة».
(الأخبار)