كرّس الاجتماع الوزاري لمجموعة الدعم الدولية للبنان في باريس أمس، وكلام الرئيسي الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاحتضان الأوروبي والغربي للرئيس سعد الحريري، الذي بدأ يتعزّز منذ احتجاز الحريري في المملكة السعودية الشهر الماضي، وإجباره على إعلان استقالته.


ويمكن القول إن البيانات الأميركية والفرنسية التي كانت تؤكّد خلال فترة احتجاز الحريري، أن الأخير «شريك»، تكرّست أمس، مع صدور بيان مجموعة الدعم الدولية للبنان، وظهور «التوازن» في البيان من حيث الشّكل مع ما خرج به الإجماع اللبناني الأخير وما يعبّر عنه الغربيون. إلّا أن هذا الاحتضان، على أهميته بعد ما تعرض له الحريري، يرسم بعضاً من ملامح المرحلة المقبلة، والأدوار التي يراهن الغربيون على الحريري للعبها، إلى جانب الرهان على ركيزتين أساسيتين أخريين تلقيان اهتماماً غربياً، هما الجيش والقطاع المصرفي.
فمنذ أن أخفق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قلب الطاولة على حزب الله في لبنان بخطة اختطاف الحريري وإجباره على الاستقالة، وما أثاره من قلق أوروبي من تفجّر الأوضاع الداخليّة اللبنانية وعودة كابوس اللجوء إلى القارة الأوروبية، بدا الخطاب الدولي أكثر تمسّكاً بالدولة اللبنانية واستقرارها، على قاعدة أن مواجهة حزب الله لا تكون إلّا بتقوية «الدولة»، ولا سّيما عبر ذراعيها الرئيسيتين، الجيش والمصارف.
فمطلب نزع سلاح المقاومة وتغليفها برفض دور «الميليشيات» مطلب أميركي ــــ إسرائيلي دائم، تكرّس في القرار الدولي 1559 وما تلاه من قرارات، وهو مطلب أوروبي أيضاً. إلّا أن الأوروبيين أكثر حرفيّة من ابن سلمان ومنظومته الجديدة في تسويق الأفكار وإيجاد الأغلفة الدبلوماسية للطلبات الفجّة التي لا تسعى إلّا لتأمين أمن إسرائيل على حساب قوّة الردع اللبناني، تحت عنوان أهمية الاستقرار اللبناني. فضلاً عن القلق الأوروبي من موجات اللاجئين السوريين في لبنان التي قد تجتاح أوروبا، والتي باتت المحرّك الرئيسي للسياسات الأوروبية تجاه الحاجة إلى الاستقرار اللبناني وإيجاد حلول «هادئة» لأزمات اللجوء، قد لا تصبّ بالضرورة في مصلحة لبنان.


بدت بصمات باسيل واضحة في النسخة النهائية في ما يتعلق بالنازحين وحزب الله


ومّما لا شكّ فيه أن القوى الأوروبية، تحديداً الفرنسيين والبريطانيين، وجدوا في الأزمة التي افتعلتها السّعودية في لبنان مدخلاً مهمّاً لاستعادة دور مفقود في لبنان منذ حرب الخليج الأولى والدخول العسكري الأميركي المباشر إلى المنطقة، في ظلّ انعدام التأثير في الساحة السورية، بعد وضع روسيا قوّاتها وطائراتها وفيتوياتها المزدوجة مع الصين في الملف السوري.
غير أن المطالب الخليجية، التي كانت محصورةً أخيراً بما تسمّيه السعودية وقف تدخّل حزب الله في اليمن ووقف إطلاق الصواريخ عليها، باتت أوسع اليوم مع التحرّك الدولي «لأجل لبنان»، من بوابة تكرار معزوفة القرارات الدولية وضرورة «عدم تدخل المجموعات المسلحة اللبنانية في الأزمات» كما قال ماكرون في خطابه أمس. وعُلم أن «المتحاورين في المؤتمر يعوّلون على الحوار الوطني من أجل حل موضوع سلاح حزب الله».
وعلمت «الأخبار» من مصادر دبلوماسية مشاركة في مؤتمر باريس لدعم لبنان أنه بذهاب وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل إلى فرنسا للمشاركة في المؤتمر، حصلت تعديلات على البيان الختامي في أكثر من نقطة. وقد بدت بصمات باسيل واضحة في النسخة النهائية التي اعتمدت، خصوصاً في ما يتعلق بالنازحين، حيث أُزيل تعبير «العودة الطوعية» من البيان النهائي، إلى نقاط أخرى وتعابير وتوصيفات، خصوصاً في ما يتعلق بحزب الله.
من جهته، أكّد الرئيس الفرنسي أنه «لا ينبغي أن تتدخل قوى خارجية في شؤون لبنان، وينبغي تطبيق سياسة النأي بالنفس بشكل كامل»، مشيراً إلى أن لبنان «مرّ بفترة ارتباك وقد استعاد الحريري منصبه رئيساً للحكومة وهذا القرار اتخذه بدعم من الرئيس ميشال عون». وأكّد أن «الجيش اللبناني هو مفتاح السلام والأمن في لبنان»، وأنه «في جنوب لبنان يوجد تحدٍّ أمني ويجب استمرار التدابير هناك وتنفيذ القرار 1701»، لافتاً إلى أن «سيادة لبنان وسلامة أراضيه هي من المبادئ التي يجب أن يحترمها الجميع، وعلى لبنان العمل على إعادة عمل المؤسسات وإطلاق عملية اصلاح».
كذلك أكّد الحريري أن «الاجتماع شهد إجماعاً على استقرار لبنان، والجميع ينتظر أن يطبق قرار الحكومة النأي بالنفس من قبل كل المكونات السياسية. وأنا أرى أن كل الأفرقاء السياسيين، من خلال وجودي في الحكومة، يريدون تطبيق هذا القرار». وأضاف أن «الأزمة الكبيرة التي نعاني منها في لبنان هي أزمة النازحين ونحن كدولة اتخذنا موقفاً واضحاً وصريحاً بالنسبة إلى هؤلاء، والحل الوحيد بالنسبة إلينا هو أن يعود هؤلاء النازحون إلى بلدهم، ولكن في نفس الوقت أن تكون عودتهم إلى بلدهم آمنة، وحتى ذلك الحين لبنان يدفع هذا الثمن». ولفت باسيل​ في تصريح عبر ​وسائل التواصل الاجتماعي​ إلى «أننا عدنا إلى ​لبنان​ بدعم دولي وعربي لعودة رئيس حكومتنا إلى مهماته الوطنية، ليعود الاستقرار مستداماً في ظل وحدة خطّها لبنان، فإلى الازدهار دُرْ».
(الأخبار)