في الوقت الذي تنتشر فيه الإعلانات لجباية الرسوم البلدية، تعبق رائحة مكب النفايات في أجواء طرابلس. المستوعبات تفيض بمحتوياتها على الدوام، حفريات البنية التحتية تعيث فساداً في أحشاء المدينة وتقطِّع شرايينها من دون رقابة. إشارات المرور معطلة منذ سنوات، والأرصفة تكاد تختفي تحت الإشغالات المخالفة أو السيارات المركونة. لا أحد يُصدق أن هذه هي حال العاصمة الثانية!


وعود وعهود تتبخر في الهواء من دون إنجازات على مدى عام ونصف من عمر مجلس بلدية طرابلس. تعلو الأصوات الغاضبة احتجاجاً على الهدر والإهمال وتثير الكثير من التساؤلات عن أوجه إنفاق أموال المكلفين، في ظل انعدام الشفافية وعدم إعلان قرارات المجلس البلدي وفقاً لقانون البلديات وقانون حق الحصول على المعلومات.


دفع المجلس البلدي 350 مليون ليرة لـ12 جمعية العام الماضي


ويجنح المعترضون إلى تحميل جُلّ المسؤولية لرئيس البلدية أحمد قمر الدين، لكونه رأس السلطة التنفيذية، ما حدا البعض على شبكات التواصل الاجتماعي إلى مطالبة قمر الدين بالاستقالة، والبعض الآخر نادى بالعصيان المدني، فيما مجموعات تتنادى لتنفيذ تحركات تضع حداً للفشل البلدي الذي اعترف به عراب البلدية الوزير السابق أشرف ريفي وتبرأ منه، بعد أن أثّر سلباً بشعبيته وأطفأ وهج الانتصار في الانتخابات البلدية، بل تحول هذا الانتصار إلى نقمة. وبحسب مقربين من ريفي، يبدو الأخير غير راغب في الضغط على الرئيس أو إجراء أي محاولة لاستبداله، مخافة انتقال ولائه إلى جانب سياسي آخر، رغم مرور مهلة العام وفق «اتفاق ميرامار» الذي يقضي باستقالته من رئاسة البلدية بعد سنة واحدة من ولاية المجلس، إن لم يحقق تغييراً ملموساً في أحوال المدينة.

رحلات حول العالم

كثيرة هي القضايا التي تثير حفيظة المواطنين، كانت آخرها نسخة مسربة عن قرار صادر عن اتحاد بلديات الفيحاء الذي يترأسه قمر الدين تكشف نفقات سفره إلى فرنسا مع عضو مجلس الاتحاد رئيس بلدية القلمون طلال دنكر بتكلفة تجاوزت عشرين مليون ليرة.
جاء في تفاصيل القرار الموافقة على دفع مبلغ 3.6 ملايين ليرة عن كل منهما لجمعية المدن المتحدة لزوم تذكرة سفر بالدرجة الاقتصادية، وتسهيل الحصول على تأشيرات السفر والإعداد والموافقة والمتابعة والترتيب اللوجستي في لبنان وفي فرنسا من قبل مكتب الجمعية، إضافة إلى الترجمة الفورية، فضلاً عن 5.4 ملايين ليرة بدل سفر لكل منهما. ولأن الدرجة الاقتصادية لا تليق بالرئيس وعضو المجلس، تقرر دفع فرق تذكرة سفر من الدرجة الاقتصادية إلى درجة الأعمال، وذلك بواقع 1.5 مليون عن قمر الدين، و1.2 مليون ليرة كفرق درجة لتذكرة دنكر إلى فرنسا من إسبانيا حيث كان في زيارة خاصة.
هذه الرحلة ليست أولى الرحلات ولن تكون آخرها، فقد أقرّت بعد قرار برحلة إلى مدينة هانكزو في الصين من خلال نفس الجمعية المذكورة سابقاً، وبنفس النظام، وعلى درجة الأعمال، بتكلفة 6.5 ملايين ليرة تُدفع للجمعية و7.2 ملايين ليرة تدفع من الاتحاد كبدل سفر للرئيس عن الأيام السبعة التي ستستغرقها الرحلة. (من 4 إلى 11 الشهر الجاري) بإجمالي 13.7 مليون ليرة دفعها الاتحاد.
برشلونة، مدريد، إندونيسيا، وأيضاً الصين وفرنسا أكثر من مرة والعديد غيرها حلّق إليها قمرالدين، وأهل الفيحاء يتساءلون عن أسباب تلك الرحلات المتلاحقة والفائدة المرجوة منها؟ وكان قد صرّح للإعلام في وقت سابق بأن هذه السفرات متعلقة باتفاقية تفاهم مع تحالف مدن طريق الحرير ولإيجاد حلول للنفايات، وأن المشاركة في المؤتمرات الدولية مهمة لتغيير صورة طرابلس، إلا أنه لم يقدّم يوماً تقريراً بشأن رحلاته، إلى أعضاء المجلس البلدي الذين يترددون في التعليق على الموضوع، لضآلة المعلومات لديهم حول أسباب هذه الرحلات ونتائجها، ولم يسائلوه حولها، إذ إن معظمها يُقر عبر مجلس الاتحاد.
يجري ذلك فيما تتردد معلومات عن إفلاس الاتحاد وأنه مدين بأكثر من 100 مليار ليرة، علماً أن ما يقارب من 60% من ميزانيته مصدرها بلدية طرابلس المدينة للاتحاد بمساهمتها لمدة تزيد على خمس سنوات.

بدعة المستشارين

لا يُعد سفر رئيس البلدية الأمر الوحيد الذي هو في موضع التساؤل، هناك أيضاً تَمثُّل البلدية الحالية بسابقتها لناحية بدعة المستشارين كتنفيعات إرضائية للسياسيين، وقد وصل عددهم إلى 17 مستشاراً تحت مسميات مختلفة: مستشار للسير وآخر للزراعة وثالث للتنمية وغير ذلك. ستة منهم مستشارو إعلام، يتقاضى كل منهم بين 20 إلى 30 مليون ليرة سنوياً، بعضهم من دون عمل يُذكر، بل إن بعضهم غير مختص بما استخدم لأجله. وهذا بخلاف مستشاري الاتحاد.

الجمعيات المحظية

وللتنفيعات أوجه عديدة، منها المساعدات المقدّمة إلى الجمعيات المحظية والنوادي الرياضية التابعة لسياسيين، وقد أُقرّ لها العام الماضي مئات الملايين، عُرف منها على وجه الدقة مبلغ 355.450 مليون ليرة خصصت لاثنتي عشرة جمعية. الأمر نفسه يتوقع أن يتكرر لهذا العام، وقد أُدرجت طلبات المساعدات على جدول الأعمال أخيراً.
في البلدية، يحمّل الجميع رئيس السلطة التنفيذية المسؤولية كاملة، ويتململ بعض أعضاء المجلس من حين إلى آخر عبر إبداء الاعتراضات على وسائل التواصل الاجتماعي أو الاستقالة من رئاسة اللجان، ومن ثم العودة عن الاستقالة أكثر من مرة، من دون تحقيق أيٍّ من مطالبهم. يرفعون عن أنفسهم مسؤولية التقصير والإهمال والفساد رغم مسؤوليتهم القانونية عن القرارات المتخذة في مجلسهم، إذ إن الرئيس لا يمكنه بمفرده اتخاذ قرارات مماثلة. فهل تشهد الأيام القادمة تحركات قوية لإطاحة الرئيس، أم أن التعجيل بالانتخابات النيابية قد يشتت الأنظار عنها؟ هذا ما قد تظهره الأيام القادمة.