مبالغات الوزراء في الإنفاق وزيادة خدمة الدين العام تحوّلت إلى محور الاجتماعين اللذين عقدا في السراي الحكومي أول من أمس بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. خليل وضع أرقام مشروع موازنة 2018 على الطاولة بما ترتّبه من نتائج جسيمة على المالية العامة، إذ تطلب الوزارات زيادة انفاقها بمبلغ 2000 مليار ليرة فيما الوضع لا يحتمل هذا «التبذير السياسي» غير المبرّر بعد اتفاق في السنة الماضية على أن تكون موازنة 2018 «إصلاحية تقشفية».


خطورة ارتفاع خدمة الدين العام، أنها تأتي بعد ضغوط نقديّة سببتها أزمة استقالة الحريري الأخيرة واحتجازه في السعودية. هذه الأزمة فرضت أعباء كبيرة على الوضع المالي، منها خروج ودائع بقيمة تتجاوز 3 مليارات دولار من لبنان، إضافة إلى تحجيم قدرة مصرف لبنان على اجتذاب الودائع واضطراره إلى رفع أسعار الفوائد أملاً في كسب الوقت لإتاحة الفرصة أمام اجتذاب الدولارات من الخارج. استهلاك الوقت المكتسب بكلفة باهظة يزيد الأعباء على الوضع النقدي الذي ينزف منذ سنوات. يكفي أن يواصل ميزان المدفوعات تسجيل عجز متراكم بقيمة 9.2 مليار دولار منذ 2011 حتى نهاية تشرين الأول 2017، رغم الهندسات المالية المنفذة. هذا يعني أن صافي حركة دخول وخروج الأموال من لبنان سلبية. لذا، فإن زيادة خدمة الدين، تمثّل مساراً خطيراً على المالية العامة التي باتت تحت مجهر المؤسسات الدولية. هذه الأخيرة تراقب بدقّة المؤشرات الأساسية والتفصيلية وأبرزها ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج فوق 140% في ظل معدلات نموّ اقتصادي متدنية، ومعدلات نموّ للودائع ضعيفة جداً. فبحسب إحصاءات مصرف لبنان، ازدادت الودائع لدى المصارف بمعدل 4.4% فقط، اي بما يغطي بالكاد الزيادة التلقائية من الفوائد! وهذا النمو لا يلحظ هروب أكثر من 3 مليارات دولار إلى الخارج بسبب أزمة الحريري الأخيرة، ما يرشّح هذه النسبة إلى الانخفاض أكثر.


9.2 مليار دولار
عجز ميزان
المدفوعات المتراكم منذ 2011 حتى
تشرين الأول 2017


في ظل هذا الوضع يأتي مشروع موازنة 2018 بإنفاقه الإضافي. وليس ذلك فحسب، بل يأتي بعد اتفاق سياسي يوم إقرار موازنة 2017 على أن تكون موازنة 2018 إصلاحية وان يراعى فيها التقشف في الوزارات بعد اقتطاع وصل إلى 20% من الموازنات التشغيلية لعام 2017، وأن تُدرج فيها مشاريع إصلاحية لم يكن هناك متسع من الوقت لمناقشتها وإقرارها ضمن موازنة 2017.
كذلك فإن اي إنفاق إضافي أو زيادة في خدمة الدين العام تسقط التعهدات التي أطلقت يوم مناقشة موازنة 2017 عن أن إقرار الموازنة من دون إقرار قطوعات حسابات السنوات الماضية يشكّل فرصة لإعادة الانتظام إلى الدستور والمالية العامة. لكن تبيّن، حتى الآن، أنه ليس هناك تقدّم في إقرار قطوعات الحسابات، وأن السلطة تكرّر مخالفاتها السابقة، إذ لم تتقيد بمهل إعداد ومناقشة مشروع موازنة 2018 المنصوص عنها في المادة 83 من الدستور التي تنصّ على أن تقدّم الحكومة الموازنة إلى مجلس النواب «كل سنة في بدء عقد تشرين الأول».
في هذا الإطار، يقول رئيس حركة «مواطنون ومواطنات» شربل نحاس، إن التأخّر في إعداد وإحالة موازنة 2018 «يعني أن الحكومة أعفت نفسها من موجب تقديم الموازنة، وأنها لم تتعظ من الفترة الماضية ومن مناقشات لموازنة (2017) منتهية الصلاحية في مهرجانات سياسية متلفزة». توق الوزارات لكل هذا الانفاق ليس إلا «ترجمة فعلية لخيارات القوى السياسية»، وهذا ما يفرض إعادة ترتيب للأولويات. فعلى سبيل المثال، «في وضع غير طبيعي يتحتّم النقاش في الإنفاق الضروري على العقود السارية من قروض وإيجار وأشغال...»، وعندها يمكن النقاش في الخيارات التي تحدّد شكل الاقتصاد والمجتمع «فالحكومة قرّرت منذ سنوات أن تدعم الكهرباء بمبلغ ضخم نسبياً، يتجاوز ملياري دولار سنوياً، لأنها قرّرت بيع الكهرباء بأقل من كلفتها. كان خياراً لهذه السلطة يشبه خيارها في توزيع أكثر من 350 مليار ليرة مساعدات للجمعيات، وتنفيذ مشاريع إنشائية في مناطق محدّدة دون سواها، ودعم مزارعي التبغ، ودعم الخبز... لكل هذه الخيارات نتائج مالية. فعلى أي اساس تحدّد هذه الخيارات؟». يضيف نحاس، إنه يمكن الاستمرار ضمن الوضع الحالي، أي «الحفاظ على النظام القائم اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. هذا الخيار هو ترجمة للواقع الحالي حيث السياسة النقدية تستوجب الحفاظ على ما أمكن من الدولارات وزيادتهم بإغراءات وفوائد أعلى. ومن موجبات هذا الخيار إسكات أو إرضاء أي فئات أو جهات سياسية واجتماعية، بالتمويل المتاح من حساب الخزينة وتأمين استمرارية تمويل النظام السياسي لضمان عدم انهيار أي حلقة من حلقاته».
أما البحث عن مخرج مناسب من النظام الحالي بأقل ضرر ممكن، فهو خيار ثان يتضمن كسر حلقة استقطاب الدولارات من الخارج بموازاة الانتقال إلى شكل معيّن للإنتاج يضمن خفض عجز الميزان الخارجي من خلال خفض كلفة الإنتاج لتأمين تنافسية للمنتجات والسلع المصنوعة محلياً... هذا مشروع سياسي اجتماعي مختلف يجب أن تعبّر عنه الموازنات العامة.




ميريل لينش: السعودية غير قادرة على معاقبة لبنان

يشير تقرير صادر عن شركة «ميريل لينش» التابعة لـ«بنك أوف أميركا» إلى أن «المصارف اللبنانيّة سجّلت خسائر في الودائع»، كما سحبت المصارف خلال الأزمة «نحو 1.4 مليار دولار من ودائعها لدى مصرف لبنان، وأعادت جدولة قروض بقيمة 1.3 مليار دولار لتوفير حاجتها من السيولة». أما مصرف لبنان فقد «خسر 1.6 مليار دولار من أصوله الخارجيّة خلال تشرين الثاني الماضي وشجّع المصارف على رفع أسعار الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانيّة بين 7% و9%». ويتوقع التقرير أن «تعوّض المصارف خسائرها خلال أشهر عبر زيادة الفائدة على الودائع، فيما مصرف لبنان قادر على تعزيز ميزانيته من خلال محفظة سندات يوروبوندز بقيمة 1.7 مليار دولار حصل عليها بعد مبادلة ديون بالليرة مع وزارة المال». ويلفت التقرير إلى أن «الأثر الاقتصاديّ المترتب على استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، قابل للعلاج على نطاق واسع، كون السعوديّة، ورغم عدم رضاها عن التنازلات المتواضعة التي قدّمها حزب الله، إلّا أنها لن تكون قادرة على فرض عقوبات اقتصاديّة على لبنان». وتعزّز «ميريل لينش» كلامها بالإشارة إلى التصنيف السوقي للسندات اللبنانية التي تعادل CCC وCCC+ رغم أن تصنيف لبنان الفعلي هو أقل ويبلغ B3/B-/B-. واستبعدت أن تكون للسعودية القدرة على فرض خيارات مؤثّرة على حزب الله كون «75% من حملة سندات اليوروبوند في أيلول الماضي هم محليون (مصارف وغيرها)، ولا وجود لودائع سعوديّة لدى مصرف لبنان، فيما الودائع السعودية في المصارف اللبنانيّة محدودة»، ويحصر التقرير التأثيرات السعوديّة الخطرة بـ«التحويلات الآتية منها والبالغة نحو 1.5 مليار دولار، على افتراض أن 40% من التحويلات إلى لبنان مصدرها دول الخليج».