أن تحصل فرنسا من السعودية على مساعدة قدرها مئة مليون يورو (ومن الإمارات على ثلاثين مليون يورو) لتمويل قوة عسكرية مشتركة لمكافحة الإرهاب من الدول الإفريقية: تشاد، مالي، بوركينا فاسو، نيجر وموريتانيا، يعني أنّ مسار العلاقات بين البلدين لا يمكن أن يذهب في اتجاه أحادي، يصبّ في خانة تعزيز الدور الفرنسي في الشرق الأوسط فقط، من دون الأخذ بمصالح السعودية في الاعتبار.


فالاجتماع الذي ضمّ ماكرون إلى رؤساء هذه الدول ومسؤولين في الاتحاد الأوروبي، لإطلاق هذه القوة وتمويلها، أكد جانباً أساسياً من أسباب زيارة ماكرون للسعودية، حين كان لبنان مشغولاً بتداعيات أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري، ودور فرنسا في إيجاد مخرج لهذه الأزمة.
فاستضافة فرنسا لمؤتمر مجموعة الدعم الدولية للبنان وما خلص إليه من اتفاق على سلسلة مؤتمرات تصبّ في خانة تعزيز استقرار لبنان ودعمه مالياً لا تزال من دون أفق، وسط مشهد فرنسي لا يمكن قراءته من دون الكلام عن سياسة فرنسا الخارجية، ولا سيما في الشرق الأوسط، وعلاقاتها الاقتصادية بالسعودية.
لا يجب إغفال حقيقة أساسية في قراءة سياسة فرنسا الخارجية، وهي أن فرنسا شهدت في السنوات العشر الأخيرة ثلاث سياسات خارجية، بفعل عدم بقاء الرئيس الفرنسي لأكثر من ولاية واحدة في منصبه، نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند، وحالياً الرئيس إيمانويل ماكرون. وبخلاف ما حصل سابقاً مع جاك شيراك أو فرنسوا ميتران حين كانت السياسة الخارجية طويلة الأمد، أو حتى مقارنة بما كان يحصل في الولايات المتحدة أو ألمانيا، فإن السنوات الأخيرة شهدت سياسة خارجية متقطعة وتأخذ اتجاهات مختلفة. فبعد الوجود الكثيف لشيراك في الأزمة اللبنانية، ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والعمل لإنشاء المحكمة الدولية، انتخب ساركوزي بسياسة مختلفة، جاء إلى لبنان عند انتخاب الرئيس ميشال سليمان واستقبل الرئيس بشار الأسد في باريس بحفاوة بالغة وأرسل سفيره إلى دمشق. مع هولاند، كانت السياسة الخارجية تجاه لبنان والشرق الأوسط محكومة بالأزمة السورية وتعقيداتها، ولم تفلح جهود فرنسا في إيجاد أرضية صالحة لانتخاب رئيس للجمهورية في لبنان.
يحاول ماكرون اليوم وضع ثالث سياسة خارجية، في عقد من الزمن. وجاءت أزمة الحريري في توقيت مناسب، لأن باريس بعد مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض وما خلصت إليه من نتائج على المستويات السياسية والمالية والعسكرية والنفطية، تحاول أن تضبط التلاشي المتمادي في الصفقات التي كانت تعوّل عليها زمن التوتر بين السعودية وإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. وهي تسعى أيضاً إلى الموازنة مع واشنطن في شأن موقفها من إيران، بحيث تتقاطع في جزء منه معها بعدم السماح للنفوذ الإيراني بأن يتحكم في المنطقة بحسب ما صرح وزير الخارجية جان إيف لودريان، وتتعارض معه في ما يخص الاتفاق النووي في حد ذاته.
وفيما تبدو سياسة ترامب أكثر وضوحاً، سيئة كانت أو جيدة، تجاه ملفات سبق أن حدد رؤيته لها، فإنّ من غير المعروف حتى الآن ماذا تريد فرنسا من الشرق الأوسط، ولا سيما أنها اليوم تواجه ملفاً أساسياً متحركاً، هو الأزمة السورية وما تخلص إليه المفاوضات حولها. وتواجه أيضاً ترتيب علاقاتها مع دول الخليج، بحيث تستثمر «وسطيتها» لإيجاد التمويل اللازم لمشاريعها السياسية، وهو عنوان زيارة ماكرون للسعودية والإمارات أخيراً.
والأمر نفسه ينسحب على تحرك فرنسا في لبنان. لأن كل الدعم «المعنوي» الذي تلقاه حتى الآن من خلال مؤتمر باريس والحشد الدولي والتجاذب الحاصل حول القرار 1559، بعقد مؤتمرات دولية، لا يترجم إلا بالتمويل. فأين المال الذي سيغطي عبر المؤتمرات مساعدات للبنان عسكرياً واقتصادياً. فعادة يكون الجزء الأكبر خليجياً، أي من السعودية ودول محورها، وحتى الآن لا يمكن الكلام عن اتجاه سعودي لإنقاذ لبنان على هذه المستويات ما دامت أزمة الثقة بين بيروت والرياض قائمة. أما الرهان على مساعدات دولية، أوروبية تحديداً، ففي غير محله ودول أوروبا غارقة في أزماتها المالية والاقتصادية، وتفتش عن تمويل مشاريعها، كما هي حال فرنسا مع القوة الأفريقية. ولا يزال لبنان حتى الآن ينتظر التمويل اللازم لمواجهة أعباء أزمة النازحين بعدما قدم الحريري مطالعته في هذا الشأن في آذار الماضي.
تختلف مقاربة فرنسا للبنان عن مقاربة الأميركيين، خصوصاً أن هؤلاء قدموا قبل يومين مساعدة عسكرية لافتة وهم مستمرون في دعمهم، لأسباب تتخطى موضوع استقرار لبنان الداخلي فقط والخلافات بين أهل الحكم. فللأميركيين وجهة نظر تتحدث عن عدم تحويل لبنان ملجأً لتجميع التنظيمات الإرهابية والهاربين من حروب المنطقة، وقد ينتقلون منه إلى الخارج. من هنا دفع واشنطن في اتجاه تعزيز القوى الأمنية.
أما فرنسا، فلا تزال سياستها مذبذبة، غير واضحة، تتقاطع مع الخوف من تفاقم أزمة النازحين، وسعيها إلى أن تستعيد دوراً مفقوداً، فتحاول اللعب لبنانياً، على خيوط داخلية، باطنها عدم استفزاز السعودية «الجديدة» من أجل إنعاش صفقات مجمدة، وظاهرها الحفاظ على استقرار لبنان.