لا يزال توقيع رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة سعد الحريري على مرسوم منح أقدمية سنة لضبّاط «دورة عون» (1994) يثير أزمة بين الرئيسين من جهة والرئيس نبيه برّي من جهة أخرى. ومع أن ضغط برّي والوساطات التي بدأت تدخل على خطّ التهدئة، دفعت بالحريري إلى الطلب من الأمين العام لمجلس الوزراء فؤاد فليفل التمهّل في نشر المرسوم، إلّا أن الأزمة تتفاقم في ظلّ إصرار عون على إصدار المرسوم، مع غياب أي حلول في الأفق.


وفيما رفضت مصادر سياسية معنيّة إعطاء توقعات حاسمة حيال ما يُمكن أن تؤول اليه الأزمة على صعيد العمل الحكومي، كشفت المصادر عن اتصالات لم تتوقف منذ يومين بين عين التينة والمختارة وحارة حريك. كذلك زار اللواء عباس إبراهيم بري أمس واستمع إلى وجهة نظره، على أن يزور عون لاحقاً.
وأكدت مصادر النائب وليد جنبلاط أنه «يرفض قطعاً هذا الأمر، ويقف في صف الرئيس برّي»، وأنه «كلّف أحد وزرائه السابقين تولّي الاتصالات مع حزب الله والرئيس برّي للتنسيق بشأن حلّ هذه الأزمة». وقالت المصادر إن «جنبلاط وبرّي لا يعوّلان كثيراً على طلب الحريري من الأمين العام لمجلس الوزراء التريث في نشر المرسوم، لأنهما لا يضمنان الاتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة، كذلك فإن التجربة مع الحريري في هذا الشأن غير مشجعة لجهة العودة عن التزام قطعه لعون والوزير جبران باسيل». وأكّدت أن «جنبلاط وبرّي ينسّقان مع حزب الله وينتظران منه التدخل لدى عون وباسيل للتراجع عن هذا الأمر»، فيما أكدت مصادر في قوى 8 آذار أن «حزب الله يرفض توقيع المرسوم، لكنه لا يريد أن يفتح معركة إعلامية وعلنية مع رئيس الجمهورية، وهو يدرس كيفية التعامل مع هذا الملف بهدوء، كما حصل في قانون الانتخابات». ولفتت إلى أن «الحزب لا يريد توتير الأجواء الإيجابية التي سادت بعد عودة الرئيس الحريري الى الحكم، لكنه أيضاً لن يسمح بتخطّي الرئيس برّي».


لقاء ليلي بين جنبلاط وباسيل: اتفاق على حل «عقد عالقة»


وقالت مصادر معنيّة بملفّ الوساطة لـ«الأخبار» إن «الأمور ليست سهلة وتحتاج إلى جهد». وأشارت إلى أن «الحلول حتى الآن ليست مطروحة، لأن العرقلة سياسية، ولا يمكن الحديث عن حلول عمليّة قبل الاتفاق السياسي»، فيما تردّد أمس أن بعض الحلول جاهز، ومنها منح دورة عام 1995 ذات الظروف المشابهة أقدميات مشابهة، أو أن يطعن أحد الضباط لاحقاً بالأقدمية داخل مجلس الشورى الدولة.
من جهتها، أكّدت مصادر عين التينة أن «بري لا يضع الأمر في إطار الخلاف السياسي مع عون أو التيار الوطني الحرّ، لكن هذا المنطق لا يمكن أن يمرّ لعدّة اعتبارات». وأوضحت أنه «إذا كان الموضوع سياسياً، فإنه يعيد فتح ملفات الجيش في الحرب، وهذا ليس وقتاً مناسباً؛ فدورة عام الـ1994 كانت لفئة من اللبنانيين وكان البلد منقسماً، والعودة إلى هذا الخطاب لا تفيد أحداً»، فضلاً عن أنه سيتحوّل إلى مادة تجاذب داخل الجيش، في وقت تحتاج فيه المؤسسة العسكرية إلى الاستقرار.
وعلمت «الأخبار» أن المجلس العسكري اقترح ترقية سبعة من ضبّاط دورة عون إلى رتبة عميد، ما يعني أن مرسوم الأقدمية بدأ يتمّ العمل فيه داخل الجيش، على عكس ما قاله وزير الدفاع في جلسة الحكومة أمس عن أن الأقدمية لا تعني الترقية، بل تعني تأهيل الضباط للترقية على حساب زملاء لهم.
مصادر وزارية أخرى استغربت تخطّي مجلس النواب الذي يدرس المرسوم منذ أشهر في اللجان، مؤكّدة أنه إذا كان المرسوم عادياً، فلماذا أوّلاً جرى عرضه على مجلس النواب لدرسه قبل تخطّي المجلس لاحقاً؟
جلسة مجلس الوزراء التي كان من المفترض أن تكون هادئة أمس، لم تخل من السجال الحاد بين وزيري المال علي حسن خليل والدفاع يعقوب الصّراف، وكذلك من مداخلات للوزراء باسيل ويوسف فنيانوس ومحمد فنيش ومروان حمادة، فيما لم يسجّل أي موقف لافت في هذا الشأن للحريري.
فقد انعكس الاختلاف حول ضرورة حمل المراسيم توقيع وزير المال من عدمه سجالاً بين خليل والصرّاف الذي استند إلى مراسيم سابقة لم تحمل توقيع وزير المال. إلّا أن خليل قدّم مداخلة قانونية شارحاً موقفه، واعتبر كلام وزير الدفاع بمثابة انقلاب دستوري على اتفاق الطائف، فيما دافع باسيل، الذي أبدى حرصاً على صلاحيات وزير المال وعلى التمسّك بالطائف، عن توقيع المرسوم مستنداً إلى قانون الدفاع، فعاد الصّراف وسحب موقفه. كذلك قدم فنيانوس مداخلة قانونية، مؤكّداً أن الدستور هو الأساس وليس قانون الدفاع، مدافعاً عن موقف خليل. وقال إن هناك أعباءً مالية مباشرة وغير مباشرة في مرسوم الأقدمية، وسأل «إذا كانت النيات صافية، فلماذا لم يُسأل وزير المال عن الأمر؟». وفيما سأل حمادة عن انعكاس المرسوم على الجيش، قدّم فنيش مداخلة «استيعابية» للتخفيف من حدّة السجال والاحتقان، مقترحاً معالجة الأمر في الأطر السياسية وليس في مجلس الوزراء، لإبقاء الانسجام قائماً في الحكومة.
وليلاً، نشر رئيس جنبلاط​، صورة على مواقع التواصل الإجتماعي للقاء جمعه مع باسيل​ في كليمنصو. وعلّق جنلاط على الصورة قائلاً «لقاء سياسي ودّي وصريح مع باسيل شمل عناوين عدّة ومتفرّقة، اتّفقنا على اثره على ضرورة تمتين العلاقة الثنائية معه ومع التيار الوطني الحر، والتعاون لمعالجة وحلّ مواضيع عالقة من أجل مصلحة الوطن».
من جهة أخرى، طرح الوزير بيار بو عاصي مسألة عدم تحديد موعد للسفير السعودي الجديد في لبنان وليد اليعقوب ليسلّم أوراق اعتماده لرئيس الجمهورية، علماً بأن السعودية لم ترسل حتى الآن جواباً على قبول أو رفض السفير اللبناني الجديد لدى المملكة، على رغم تخطّي مهلة الثلاثة أشهر المعتمدة عرفاً لذلك (جرى تعيين السفير منذ خمسة أشهر). وقال حمادة إن «المهم هو الحفاظ على أرزاق 250 ألف لبناني في السعودية». فما كان من الحريري إلّا أن تسلّم دفّة الكلام، مؤكّداً أن هذا الأمر تجري معالجته.
(الأخبار)