لم تنتج الوساطات السياسية والأمنية، حتى مساء أمس، أيّ حلٍ على صعيد الأزمة السياسية الجديدة الناتجة من توقيع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري مرسوم منح أقدميّة سنة لضبّاط ما يسمّى «دورة عون 1994».


مساء أمس، كان الاستياء بادياً على رئيس المجلس النيابي نبيه بّري، على ما نقل زوّاره، لكنّه اكتفى بتكرار الموقف الذي أدلى به خلال لقاء الأربعاء النّيابي عن أن الأمر في عهدة رئيس الجمهورية. ورفض بري التعليق على مجرى الوساطات، التي بدأت على ثلاثة خطوط: المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، الوزير السابق وائل أبوفاعور ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا.
ومع أن جميع الأطراف، ولا سيّما برّي وجنبلاط، على ما تنقل عنهما مصادر مقرّبة منهما، يبديان حرصهما على عدم تحويل الخلاف إلى أزمة سياسيّة مع عون بعد الأزمة الأخيرة التي أصابت الحريري، إلّا أنه يمكن القول إن الأزمة مرشّحة للتصعيد، في ظلّ استمرار تمسّك عون بالمرسوم ورفض بري له، لكن من دون اتضاح أشكال التصعيد المحتملة.


القوّات تهاجم التيّار:
هل المطلوب أن نصفّق
للسياسة الباسيليّة؟

وحتى الآن، يرفض برّي البحث في مضمون المرسوم قبل معالجة الشّكل بدايةً، أي الاعتراف بعدم دستورية أي مرسوم يصدر من دون توقيع وزير المال. وخلاف هذا الرأي، يعدّ بالنسبة إلى رئيس المجلس النيابي ضرباً للمواثيق الدستورية وتهديداً لمسار دستوري بعدما مرّ لبنان بمراحل صعبة حتى استقرت الأمور على هذه الحال، ولا يمكن رئيسَ المجلس التهاونُ به. لذلك لا يمكن وضع موقفه المعترض في سياق المناورة، بل في سياق مبدئي لا يقبل بالتراجع عنه.
ومع أن برّي شخصيّاً يرفض الغوص في مضمون المرسوم، إلّا أن ما ينقله وسطاء عن فريق عمله، يشير إلى اعتراضين أساسيّين: الأول يتمحور حول الموقف السياسي الذي يتضمنه المرسوم، وهو العودة إلى تركة الحرب الأهليّة والانقسام الذي كان سائداً آنذاك بين اللبنانيين وفي المؤسسة العسكرية. إذ يظهر المرسوم كأنه استعادة لنهج سياسي كان موجوداً في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ومن المفترض أنه تغيّر الآن، بعدما قامت التسويات السياسية على أسس جديدة، ليس من بينها العودة إلى الماضي الذي كلف اللبنانيين أثماناً غالية.
أما الثاني، فهو التأكيد على وحدة الجيش اللبناني والمؤسسة العسكرية التي لا تزال المؤسسة الوحيدة خارج الصراعات المذهبية والطائفية، وتأكيد ضرورة الابتعاد عمّا يهدّد وحدة الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى أو يثير النعرات والانقسام بين ضباطها وجنودها. فالمرسوم الأخير لا يحدث خللاً في الجيش فحسب، بل ينسحب أيضاً على قوى الأمن الداخلي، التي سيتحول عدد من الضباط الحاليين فيها من رؤساء إلى مرؤوسين من قبل مرؤوسيهم السابقين.
وخلال الأيام الماضية، بدأت أزمة المرسوم تنعكس بلبلةً داخل الأسلاك العسكرية، بين شعور فئة من الضّباط بالمظلومية جراء المرسوم، وشعور ضبّاط «دورة عون» بأن اعتراضات زملائهم في دورات 1995 و1996 قد تحرمهم هذه الأقدمية، وخصوصاً ما يحكى عن أن رئيس الجمهورية، وفي حال استمرار الأزمة الحالية، قد يؤخّر توقيع مراسيم ترقيات الضباط في الأسلاك العسكرية، التي من المفترض أن تصدر مع بداية العام المقبل.
وبحسب المعلومات، فإن ما يحكى عن أن ارتدادات المرسوم بعيدة الأمد هو غير صحيح، لأن مرسوم الترقيات الحالي يضمّ أسماء تسعة ضبّاط من «دورة عون» طالهم مرسوم الأقدمية، فوضعوا على جداول الترقية، وهم خمسة عقداء من المفترض أن تتمّ ترقيتهم بتاريخ 1 كانون الثاني 2018 وأربعة عقداء بتاريخ 1 تموز 2018، ما يعني أيضاً أن المرسوم يرتّب أعباء ماليّة إضافية، وهو الأمر الذي حاول وزير الدفاع يعقوب الصّراف نفيه خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة في معرض تبريره لغياب توقيع وزير المال عن مرسوم الأقدمية.
وفيما تزداد البلبلة داخل الجيش، علمت «الأخبار» أن اللقاء الذي جمع عون بإبراهيم، ولقاء إبراهيم مع وزير الخارجية جبران باسيل لم يصلا إلى نتيجة. على خطٍّ موازٍ، يتواصل أبوفاعور مع برّي والحريري بهدف إيجاد مخرج للأزمة، يتضمّن توقيع وزير المال على المرسوم، مقابل إصدار مرسوم جديد يمنح أقدمية لضباط دورة 1995، وهو الطرح نفسه الذي ناقشه رئيس الأركان اللواء حاتم ملاك في قيادة الجيش خلال اليومين الماضيين، لكن من دون أن تظهر نتائج عملية. كذلك علمت «الأخبار» أن حزب الله، عبر صفا، أجرى اتصالات بالأطراف المعنية بالأزمة. ومع أن حزب الله ضمناً يلتزم موقف برّي لناحية رفض المرسوم شكلاً ومضموناً، إلّا أنه يحاول أداء دور تهدوي لمنع الأزمة من التحوّل إلى أزمة سياسية، حفاظاً على الاستقرار السياسي الحالي وعلى وحدة المؤسسة العسكرية.

هجوم قواتي على التيار

من جهة ثانية، يستمر السجال بين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ. إذ ردّ رئيس جهاز التواصل في القوات شارل جبّور، أمس، بعنفٍ على كلام الوزير السابق الياس بوصعب حول خروج القوّات عن الإجماع في قضيّة «استقالة» الحريري القسرية، علماً بأنه أكّد أن التفاهم قائم بين التيار والقوات و«العتب على قدّ المحبة». وقال جبّور إن «المشكلة مع بوصعب تكمن في اعتقاده هو ومن يمثل بأن وجهة نظره هي الصحيحة، وكل من يخالفها يكون على خطأ، وبالتالي المشكلة الفعلية هي مع هذا الفكر الإلغائي للآخر، فيتحدث مثلاً عن إجماع وطني وهو الإجماع نفسه الذي كان يتحدث عنه النظام السوري إبان احتلاله للبنان». وسأل «عن أي إجماع يتحدث الوزير بوصعب؟ أربعة بيانات صدرت منذ استقالة الرئيس الحريري: بيان الحكومة وبيان الجامعة العربية وبيان مجموعة الدعم وبيان مجلس الأمن، وهذا الإجماع الذي يتحدث عنه كان يقول إن الاستقالة لم تحصل، فإذا لم تحصل وأدت إلى ما أدت إليه، فكيف لو حصلت إذاً؟ إجماع بعثي». وختم: «ليقل لنا الوزير بوصعب، هل المطلوب من القوات أن تصفق وتؤيد على العمياني السياسة الباسيلية لتكون في صلب الإجماع الذي يتحدث عنه؟ فهذا لن يحدث حتى في الأحلام، وهو يعرف ذلك، ومن ثم أثبتت مفاعيل استقالة الحريري أن القوات كانت على حق، ومعظم القوى الأخرى كانت تجهد لطمس الحقائق».