لم يكن القائم بالأعمال السعودي وليد البخاري يُشبه أيّاً من سابقيه. الرجل الذي رُقِّي لاحقاً إلى وزير مفوّض في الخارجية السعودية قبل إعادته إلى بلاده، افتتح نشاطه في لبنان بزيارة مقارّ عدد من الوسائل الإعلامية المرئية. قدّم نفسه على أنّه «ضيفٌ مؤقت»، لكنه كان يسير وفق خريطة طريق تبيّن أنّها مرسومة سلفاً.


قبل أشهر، بدأ «المغرّد الدائم» زيارات مكوكية للشمال والبقاع. وعلى غير المعتاد، كانت العشائر العربية الطرف المضيف. لاعبٌ لم تكن تعلم السعودية الثقل الذي يمثّله على الساحة السنّية، أقله على المستوى العددي. بل لم تكن تأخذه بالحسبان. ولعلّ أبلغ معبّر في هذا الخصوص كلام أحد وجهاء العشائر العرب في لبنان رياض الضاهر المعروف بـ«أبو زيدان»، المقرّب من تيار المستقبل، الذي قال: «قضينا ثلاثين سنة نحاول الوصول إلى المملكة السعودية التي هي عمق روحي وعربي لنا لنخبر القيِّمين فيها أنّ هناك عشائر في لبنان يشبهونكم في اللباس والعادات وحتى اللهجة، لكن عبثاً راح جهدنا. لم نكن نطمع إلا باعتراف من المملكة بأننا موجودون، لكننا لم نسمع باسمنا إلا قبل سبعة أو ثمانية أشهر مع القائم بالأعمال السعودي».
كثّف الشاب زياراته لتفحّص واقع هذه العشائر التي كانت غائبة عن الأجندة السعودية إلى حين. وهكذا، صار وجود البخاري، في أعراس أبناء وجهاء العشائر، شبه دائم. تلا ذلك حضور القائم بالأعمال أحد الأعراس في الشمال قبل أن تكرّ السبحة. يقول أحد أبناء العشائر العربية لـ «الأخبار»: «كان البخاري يستشعر أنّ موقف بعض أهل السنّة في لبنان لن يكون خالصاً للمملكة السعودية». الرجل الذي يعمل مباشرة بتوجيهات من وزير الدولة السعودي ثامر السبهان، وجد في عشائر العرب ضالّته، خصوصاً أنّ هؤلاء يجمعهم انتماء قبلي واحد مع عشائر المملكة السعودية. بل أكثر من ذلك، إنّ آل سعود أنفسهم من قبيلة العنِزي، وهي القبيلة نفسها التي ينتمي إليها رئيس اتحاد العشائر العربية في لبنان جاسم العسكر، بحسب قول الأخير.
لعب البخاري على حبل التناقضات داخل العشائر العربية. تقرّب من جميع الوجهاء، ليعتقد كل وجيه أنّه الأقرب إلى القائم بالأعمال. السياسة هذه عزّزت من حيثية الرجل لدى بعض أبناء العشائر، فيما نظر البعض الآخر إلى ما يجري بحذر. «أبو زيدان» الذي يعلن الولاء الكامل لتيار المستقبل، يعيد قراءة ما جرى بتمعّن. يقول: «أمضينا ثلاثين سنة نسعى وراء السعودية، لكنهم لم يلتفتوا لنا إلا قبل أشهر. ماذا حصل؟ شعرنا بالريبة تجاه ما يجري. لا بدّ أنّ هناك أمراً ما يُحاك للبنان وابن العشائر سيكون كبش الفداء».
الامتحان الأول تجلّى في اليوم الوطني السعودي الذي أقامته سفارة المملكة في بيروت، ومن خلفها البخاري، على أطراف مناطق نفوذ حزب الله. حشد الرجل أكثر من ٢٥٠ شخصاً من العشائر العربية لأول مرة في تاريخ احتفالات المملكة. علّق يومها أحد السياسيين الذين يدورون في فلك تيار المستقبل، والذي كان حاضراً أيضاً بالقول: «ظننت أنّه يومٌ وطني للعشائر، وليس يوماً وطنياً للسعودية».


أحد وجهاء العشائر: نحن مع المملكة في أي قرار تتخذه، سواء كان احتجاز الحريري أو عزله

في الرابع من تشرين الثاني، أُجبِر رئيس الحكومة سعد الحريري على الاستقالة في العاصمة السعودية. ظنّت المملكة أنّ أهل السنّة سيدعمون موقفها باعتبارها مرجعاً دينياً وتاريخياً لهم في لبنان، لكن واقع الحال كان غير ذلك. وقف السنّة خلف زعيمهم سعد الحريري وتبرّأوا بشكل علني وسرّي من الطريقة المذلّة التي عومل بها في الرياض. عندها بدأ البخاري جولة اتصالات لحصد ما زرعه طوال الأشهر الماضية، ولا سيما بعدما لمس أنّ موقف أهل السنّة في بيروت ليس مشجّعاً. طلب من العشائر التوجه إلى سفارة المملكة مجدداً، لكن هذه المرة تحت عنوان «دعم مواقف المملكة العربية السعودية». تسلل الخبر إلى تيار المستقبل. يومها كان مسؤولوه في لحظة ضياعٍ وتخبّط، لكنهم طلبوا من المقرّبين منهم من أبناء العشائر مقاطعة الزيارة. رأى بعض وجوه عشائر لبنان أنّ الإصرار على الزحف باتجاه السفارة سيترك أثراً خاصاً في قلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. إلا أن تيار المستقبل نجح في الحد من حجم المشاركة. لكنّ بعض وجهاء العشائر العربية تحدّوا قرار المستقبل وذهبوا إلى السفارة لإعلان «الولاء المطلق»، رغم معارضة غالبية اللبنانيين لمواقف المملكة، وتحديداً عزل الحريري واحتجازه مع عائلته. يومذاك (11 تشرين الثاني) برز لافتاً كلامٌ قيل في حرم السفارة: «حتى لو احتجزت المملكة سعد الحريري، فإنّ موقفنا معها ولن يتغيّر». صاحب الموقف هذا كان رئيس «منظمة شباب عشائر العرب» عبد القادر العسكر الذي ينتمي إلى «قبيلة الخماعلة»، ويفاخر بقرابته القبلية من ملوك آل سعود، والذي رأى في الأزمة القائمة «فرصة لدخول العشائر على خط السياسة، بعد الإقصاء السياسي الذي تعرضت له من قبل تيار المستقبل». يحكي هؤلاء عن جولة قام بها الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري قبل مدة على العشائر للتحشيد الانتخابي، تحت عنوان «التنسيق بين تيار المستقبل والعشائر العربية في لبنان»، لكنه جوبه بالرفض بعد قرارنا ضد استغلالنا كورقة انتخابية». يقول العسكر لـ«الأخبار»: «زارنا القائم بالأعمال في البقاع والشمال عدة مرّات. وخلال هذه الأزمة، لمسنا أنه ممكن أن نكون بديلاً لتيار المستقبل أو يكون لدينا تمثيل وازن». وأضاف: «نحن مع المملكة السعودية كما مالت نميل. بيت الحريري بلا السعودية ليسوا أكثر من وَهم. نحن نقول إنّ السعودية هي المرجعية الأساس وبيت الحريري موظفون لديها». كان موقف عسكر متشدداً حتى ذهب إلى القول إنّه يؤيد «أي قرار تتخذه المملكة حتى لو كان احتجاز الحريري أو عزله». أما رياض ضاهر المعروف بـ«أبو زيدان»، فيقول لـ«الأخبار»: «نحن مغبونون ومظلومون وهناك تهميش بحقنا، لكننا مع الحريري». ويضيف قائلاً: «خلال الانتخابات السابقة، كنّا إذا لم نصوِّت للحريري، نُدلي بصوتنا للائحة التي يسمّيها». قبل أن يختم بالقول: «نحن نسعى لأن يكون لنا تمثيل سياسي. نمثّل من أهل السنّة في لبنان ٢٥٪، لكن ليس لدينا تمثيل نيابي أو حكومي». وتحدث ضاهر عن عقد مؤتمر صحافي لإعلان ترشيح أحد أبناء العشائر إلى الانتخابات النيابية، على أن تكون الكلمة الفصل للشيخ سعد الحريري لاختيار الاسم، الذي يرجّح أنه سيكون من منطقة الشمال.
في «يوم السفارة الشهير»، وجد البخاري أن عدد أبناء العشائر الذين زاروه لدعم قرار السعودية تنحية الرئيس الحريري لم يكن بالقدر الذي توقعه، فادّعى أنّ السفارة لم تطلب من الوجهاء القدوم. وسار في الركب، رئيس اتحاد العشائر العربية الشيخ جاسم العسكر الذي أكّد ذلك في تجمّع تضامني دعا إليه منذ أسابيع وجهاء عشائر البقاع تحت عنوان «دعم مواقف المملكة العربية السعودية». يرى رئيس اتحاد العشائر أنّ «العشائر هي الرابح الأكبر من هذه المعركة». رحل البخاري، وتراجع (ولو إلى حين ربما) النفوذ السعودي في لبنان. فهل تخرج العشائر رابحة من هذه المعركة السياسية أم يزداد تهميشها؟