أحد تجليات أزمة 4 تشرين الثاني، أن فريقين استعجلا قطف ثمارها، التيار الوطني الحر ورئيسه الوزير جبران باسيل في الدرجة الأولى، بصفته حزب العهد، وتيار المستقبل في الدرجة الثانية، لجهة ارتباط الأزمة برئيسه رئيس تيار المستقبل سعد الحريري. وليس مرسوم «أقدمية» الضباط وحده الذي كشف أن التيارين بكّرا في استثمار ما اعتبراه مساراً جديداً في العلاقات الداخلية بين القوى السياسية، وأن ما بعد 4 تشرين الثاني غير ما قبله. فنتائج الأزمة الحكومية لم تنحصر في استيعاب الأزمة، إذ حاول كل طرف معنيّ بها الإفادة مما خلفته، ما بدأ يترك تأثيرات على العلاقات الداخلية ليس من السهل تخطيها، ولا سيما على أبواب الانتخابات، في بلد قائم على بعض التوازنات، ولو الشكلية أحياناً.


ومن المبكر بالنسبة إلى سياسيين فاعلين القول إن الكلام عن تحالفات سياسية خماسية أو رباعية قبل الانتخابات، حُسم من الآن، في ضوء تموضع الحريري إلى جانب التيار الوطني الحر فقط، لأن احتمال حصول أزمة مماثلة لأزمة الترقيات وارد في ظل فقدان الود بين المكوّنات الأساسية للسلطة الحالية، ما يضاعف التأثيرات السلبية على التحالفات الانتخابية. ومن الآن وحتى موعد الانتخابات، هناك ألف مطب ومطب على الطريق، محلياً وإقليمياً ودولياً، يمكن أن تؤثر بإدارة هذه التحالفات.
لم يكشف مرسوم الأقدميات حصراً أن الحريري بعد 4 تشرين الثاني هو غير ما قبله، بل إنه ثبت استثمار الحريري لتحالفه مع العهد، وفي ما يعتبره حلفاء السعودية نتيجة طبيعية لما آلت إليه الأمور في العلاقة بين الرياض وعائلة الحريري. واللافت أن كل كلام سياسي حول المستقبل كان ينحصر، قبل الأزمة، بسعد الحريري وحده، لكن بعدها، بات يدور حول سعد ونادر الحريري على اعتبار أن الثاني هو من أنقذ الأول وأدار اللعبة السياسية بين بيت الوسط وبعبدا وباريس، ومع حزب الله طبعاً. يعارض نادر الحريري أي تحالف مع القوى والشخصيات المسيحية في 14 آذار، سياسياً وانتخابياً، وتبعاً لذلك، لا يشجع عودة العلاقات إلى طبيعتها مع القوات اللبنانية التي يحمّلها مسؤولية كلام قيل للسعودية عن رئيس الحكومة. رغم نفي القوات أكثر من مرة عبر الاتصالات واللقاءات المشتركة، بات واضحاً أن القصة أكبر من مجرد كلام قيل هنا أو هناك. بالنسبة إلى نادر الحريري، وكما تحدث أمام شخصيات سياسية في بيروت، الخيار اليوم ليس الحوار مع حلفاء السعودية. قال أكثر: إن أعمال الحريري في السعودية ليست أعمالاً فحسب، بل هي أيضاً واجهة سياسية لنا، وحين تقفل السعودية هذه الأعمال، يعني أنها أقفلت واجهتنا السياسية، وليس أمامنا سوى الطرف الآخر. ولا سيما أن الأوضاع في المنطقة تتبدل، ولا نستطيع البقاء مكتوفي الأيدي.
بعد عودته إلى بيروت، استعاد الرئيس سعد الحريري زمام المبادرة، بدأت الاتصالات مع القوات اللبنانية خفيفة وتصاعدية. أنتجت حتى الآن مكاشفات سياسية لا تتعلق بما جرى مع السعودية فحسب، بل بكل ما يحيط عملية إدارة الحكم في لبنان وملفات الحكومة، وصولاً إلى بدء التحضير للانتخابات، وحصيلتها الأولية اتصال من الرئيس سعد الحريري برئيس حزب القوات الدكتور سمير جعجع للمعايدة. وإذا كان اللقاء بينهما لم يحصل بعد، فلأن الطرفين مقتنعان بأنه لن يتم للصورة فحسب، بل كي يكون ثمرة للاتفاق السياسي الجديد بينهما.
لكن من يعرف طبيعة ما نسجه الحريري مع التيار الوطني الحر، ولا سيما بعد الأزمة مع السعودية، لا يتحدث، حتى الآن، عن إمكان حصول تحالفات انتخابية بين تيار المستقبل والقوات إلا شكلاً، وفي دوائر محدودة الفعالية. فيما بات معروفاً أن المستقبل سيجيِّر أصواته في دوائر يراهن عليها التيار الوطني وباسيل.
ما أنتجته أزمة السعودية أيضاً، أن الحريري الذي يحاول رفع سقف تفاوضه مع القوات، ثبت تقاسم الحصص مع التيار الوطني في ملفات تعرض على مجلس الوزراء وخارجه، كما حصل في تعيين محافظي جبل لبنان والبقاع، وتمرير الموافقات بينهما على مشاريع متبادلة. وإذا كان رئيس الجمهورية قد استفاد من توقيت دقيق لتمرير مرسوم الترقيات الذي أثمر له تأييداً شعبياً في قاعدته، لمعارضته لبري ولتحصيله حقوق الضباط، إلا أنه لم يكن لينجح لولا أزمة السعودية التي جعلت الحريري، على حدّ تعبير أحد السياسيين، «يتصرف وكأنه مدين لعون، ويتصرف الوزير جبران باسيل أيضاً على أساس أن له دَيناً في ذمة الحريري ويذكّره مراراً عبر وسائل الإعلام كيف أنقذ رئيس الحكومة».
ينقل عن إحدى المرجعيات السياسية أن إدارة عائلة الحريري لملف الأزمة أنتج وضع الحريري نهائياً في حضن عون. ومرسوم الترقيات أول الغيث، والحبل على الجرار. لكن في المقابل، بقدر ما يتهم التيار بأنه نهم بحسب خصومه، إلا أنه تصرف بمشروعية حين أراد الاستثمار سريعاً في ما اعتبره فرصة نادرة لن تتوافر مرة أخرى، ولا سيما أن شعبيته كانت قد تراجعت في الأشهر الأخيرة، خصوصاً أن المعنيّ هذه المرة مؤسسة الجيش التي للعهد فيها عيون كثيرة. لكن القضية لا تقف هنا، هناك التعيينات والانتخابات وملفات الكهرباء وكثير غيرها، لا يريد التيار بعد 4 تشرين الثاني أن يكون له شريك مضارب فيها، وقاعدته الأساسية خصوصاً في الانتخابات، أن يأخذ ولا يعطي من حصته لأحد، لا شريكه المسيحي في ورقة التفاهم وهما حالياً في حالة خصام، ولا شريكه في التسوية قبل أزمة السعودية وبعدها، ولا حكماً بري. وحده حزب الله خارج كل هذه المعادلة.