بثت وسائل الاعلام أخيراً شريط فيديو قيل أنه مسجل من داخل مخفر «حبيش» التابع لقوى الامن الداخلي في بيروت، ظهر فيه شاب سعودي الجنسية معروف في لبنان بـ«أمير الكبتاغون» لكونه من الاسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية والقي القبض عليه في المطار بينما كان يحاول تهريب مواد ممنوعة بواسطة طائرة خاصة. الأمير الموقوف كان يحتفل بعيد ميلاده برفقة شخص آخر في غرفة مضاءة بالشموع تعلو فيها الموسيقى. آلاف الموقوفين والمحكومين في السجون اللبنانية شاهدوا الشريط عبر التلفزيون من غرفهم الضيقة في مبان مهترئة يعانون فيها من ظروف صحية واجتماعية صعبة.


الضابط المسؤول عن مخفر حبيش آمر مأمور يتلقى التوجيهات من السلطات القضائية والأمنية العليا التي ارادت منح الموقوف صلاحيات استثنائية، بينما تهمل ظروف اعتقال آلاف المواطنين العاديين.
السجون اللبنانية تكتظ بفئة من النزلاء يعرفون خلف القضبان بـ«اللي ما الهن حدا». معظم هؤلاء من الفقراء والبسطاء والأجانب الذين لا يزورهم أحد في السجن لتزويدهم بالطعام والسجائر والحاجات الشخصية، ولا مرجعية سياسية أو اجتماعية أو طائفية لهم، ولا من يتابع ملفاتهم القضائية بجدية. وخلال الايام (وربما الأشهر) الاولى لحبسهم (أي ما يعرف بمرحلة «الدخول») قد توكل اليهم مهام «الخدم» ويصبح «الشاويش» (سجين مكلف من ضباط السجن بإدارة بعض الشؤون اليومية) ولي أمرهم. وعلى الخدم الاستجابة لأوامر الشاويش في كل ما يتعلق بتنظيف «القاووش» وترتيبه، والطهي وخدمة القهوة والشاي وخدمات أخرى. وبينما يمكن أن يتحسن وضع سجين «الدخول» بعد حين بفضل ارضائه الشاويش من خلال الاغراض والمأكولات والسجائر التي تأتيه من الاهل والاصحاب عبر بريد السجن أو خلال الزيارات، يحرم «اللي ما الهن حدا» من ذلك.
أوضاع السجون في لبنان لا تتناسب مع المعايير الدولية الدنيا لمعاملة السجناء («قواعد مانديلا») وتتفاقم مشاكل السجون في لبنان بشكل متسارع منذ تسعينيات القرن الفائت. غير أن الجهود التي تبذلها هيئات المجتمع المدني بواسطة بعض الجمعيات الخيرية والروحية والمساعدات التي تقدمها الامم المتحدة من خلال مكتب المخدرات والجريمة UNOCD في لبنان هي بمثابة حقنة بنج ومهدئ أعصاب لمنع الانهيار الكامل. وكانت قد خضعت بعض السجون لعمليات تجميل وادخلت بعض التحسينات الطفيفة، وفي كل مرة يتباهى السياسيون ومسؤولون في الامم المتحدة بانجازاتهم العظيمة ويحاولون طبعاً التركيز على النصف الملآن من الكوب ويتجاهلون الإخفاق الأبرز في اصلاح السجون وهو تحديث قانون إدارة السجون. فالقانون المعمول فيه حالياً صدر منذ نحو 70 عاماً (المرسوم 14310/1949) وبالتالي فان معظم المهام الموكلة لضباط ورتباء وعناصر قوى الامن الداخلي في السجون تحدد اليوم بموجب مذكرات خدمة تصدر عن القيادة التنفيذية ولا ترتكز الى نص قانوني يحدد كيفية إدارة المؤسسات العقابية والهيكلة الادارية.
صحيح أن في وزارة العدل اليوم إدارة خاصة بالسجون على رأسها قاض يتميز بالكفاءة والنزاهة، غير أنه يجد نفسه مضطراً للاستعانة بـUNODC بشكل شبه كامل تارة، وبالهيئات غير الحكومية أطواراً أخرى، بينما تضيق صلاحياته في ظل استمرار اهمال الدولة لموضوع اصلاح السجون.
ان لبث فيديو «أمير الكبتاغون» اثراً سلبياً حاداً لا على أوضاع السجون فحسب بل على نظام العدالة في لبنان برمته. وهو يدل بشكل واضح الى تدخل سياسي في ملف قضائي. ولا عجب في ذلك لأن التحكم بالمسار الاجرائي والقضائي لأي قضية جنائية هو من أثمن أدوات أصحاب المصالح السياسة في لبنان. وانطلاقاً من ذلك قد يصح ختم هذا المقال بسؤال (ربما معروف جوابه لدى العديد من القراء): هل ان اصلاح مسار المحاكمات العادلة والسجون لقطع الطريق على التدخلات ولتكريس الاستقلالية الكاملة للقضاء يتناسب مع مصالح القوى السياسية الحاكمة؟