ردًّا على الرد الصادر من جمعية «أديان» («الأخبار»، ٢٠ كانون الأول ٢٠١٧)، جاءنا من أستاذ المواطنية في الجامعة اللبنانية علي خليفة التوضيح الآتي:

أولاً، حول مغزى استخدام كلمة «الصهيوني»: لم تستعمل كلمة «صهيوني» كصفة، بل من ضمن لائحة فيها «الأميركي» و«الايزيدي» و«الصابئي»... إلخ. وهذه قوميات ومجموعات إثنية ودينية، لا صفات كما تدّعي الجمعية، متقصّدةً في ردّها إخفاء بقية الكلمات في اللائحة الكاملة للنشاط.

ولو سلّمنا جدلاً بأن «الصهيوني» صفة والمطلوب تجنّب «خطأ رمي الآخرين الشركاء في الوطن بصور نمطية مؤذية»، كما نقرأ في ردّ الجمعية، فهل من المناسب استحضار الصهيونية من خارج موقع العداء الذي نكنّه لها، وحشرها في نشاط ملتبس كهذا؟ فيدخل أساتذتنا وطلابنا في متاهة بناء وهدم التمثلات الجماعية حول الصهيونية، وتمييع الصورة النمطية القائمة على العداء للصهيونية ومناهضة دولة إسرائيل كشر مطلق؟ وبناء عليه، لم أقع في «خطأ» قراءة وتحليل ما ورد في دليل جمعية «أديان»، بل الجمعية هي من يتأكّد ضبطها متلبّسة بدسّ سم التطبيع في طبق التطوير التربوي والتدريب.
ثم، لطالما كانت «أديان» تربط ذكر العداء لإسرائيل (إذا اضطرّت لإعلانه) مع التنديد بـ«كلّ معتد وإرهابي» آخر فورًا، – كما في ردّها الأخير. وهذا ليس بموقف مبدئي وكافٍ بحدّ ذاته من جمعية أصبحت «شريكة الغفلة» في التطوير التربوي، لا سيما في المواد الإجتماعية الحساسة تجاه تشكّل الوعي الوطني لدى أساتذتنا وتلاميذنا. وليس في أدبيات الجمعية، على ضحالتها، ما تخصّ به الكيان الغاصب من عداء مبدئي لا يحتاج لمقارنته بغيره.
ثانيًا، حول مخطوطة أدلّة التدريب: إذ أن مخطوطة الدليل المتضمّن عدة أنشطة ملتبسة كالنشاط حيث ترد الإشارة إلى الصهيونية، لم تتم مشاركته كما تدّعي الجمعية في إطار «التعاون بشفافية مع كلية التربية في الجامعة اللبنانية»، واحترامي لمصداقية الكلية ولمناقبيتي الأكاديمية يجعلني أُعرض عن ذكر تفاصيل المسار الملتوي الذي تسلّلت عبره ممثلة «أديان» للتسويق لبضاعتها في كلية التربية، حيث للأستاذ الجامعي تحديدًا حرية أكاديمية وخصوصية وظيفية: فمن جهة لا يحتاج لأدلّة تدريب غير ذات منفعة وموثوقية كالتي تنتجها «أديان»، غبّ توافر الأموال المشبوهة، ومن جهة ثانية ومن ناحية الوعي الوطني، فنحن في مكان و«أديان» وأذيالها في مكان آخر.
ثالثًا، في التعاون القائم بين الوزارة والمركز التربوي من جهة و«أديان» من جهة ثانية. ليس هذا التعاون تحت عنوان «التعاون الطبيعي والمطلوب بين القطاع العام والمجتمع المدني» كما تدّعي الجمعية. فلا يُعقل أنّ جمعيةً واحدة ما كاد ينيف عمرها على عقدٍ من الزمن، أن يُختَصَر فيها كل المجتمع المدني في لبنان وجمعياته ومنظماته التي تفوقها عراقة وتخلو مواقفها وممارساتها من الإلتباسات... وهي رغم عملها الدؤوب لم تستطع أن تجلب الأموال التي جلبتها «أديان» في وقت قياسي من الجهات المانحة البريطانية والأميركية وذات النزعة الدينية المحافظة... وهذه الأموال تأسر التطوير التربوي: فبينما المسؤولون التربويون مغتبطون ومنهمكون بتنفيع أزلامهم من تكاثر المشاريع الوافدة، أصبحت أجندة التطوير التربوي مرتبطة حكمًا بأجندات المانحين وتوجيهاتهم!
رابعًا، هل إسهامات جمعية أديان في التطوير التربوي تحترم الأصول المرعية؟ أزعم أن بعض من وقّع مذكرات التفاهم مع الجمعية، من المسؤولين التربويين على اختلاف مواقعهم، لم يقرأوا المذكرات التي وقّعوا عليها، وإن قرأوها فإنهم لم يفطنوا بالضرورة لتداعيات ما قرأوا... حيث يسهل مثلاً تتبّع بصمة «أديان» السلبية على مشروع خدمة المجتمع من خلال ما أسقطته من المرسوم 8924/2012 والإستغناء عن مفاهيم اجتماعية واردة في وثيقة الوفاق الوطني وتخطيها، كمفهوم الإنصهار الوطني والإندماج الإجتماعي... ما كان لمسؤول رسمي أن يقبل بحدوث هذا التجاوز فيما لو قدّر عواقبه تقديرًا مسؤولاً.
خامسًا، حول مفهوم المواطنة الحاضنة للتنوع الديني والثقافي إلخ. هذا المفهوم استعاده رئيس «أديان» الأب فادي ضو بشكل مسطّح من المقاربات الفارقية للمواطنية التي بشّر فيها قبله الرئيس السابق للجامعة اليسوعية الأب سليم عبو. وهو يرسخ التمايز في الحقوق بين المواطنين الأفراد لصالح الحقوق الممنوحة للجماعات الدينية التي ينتمون إليها، بما يضرب أسس المواطنية بمقاربتها المدنية. والجمعية تقوم بتضخيم حيز المظاهر والممارسات الدينية في المجال العام والغلو في التطرّق إلى الخصوصيات الثقافية والدينية في لبنان والعالم العربي وجعل المجموعات الدينية جزرًا معزولة وذات ميزات ثقافية بحيث تصبح الحدود بين الجماعات الدينية حدودًا بين الثقافات أيضًا، أو وعيًا اجتماعيًا بل أكاد أقول وعيًا قوميًا... وهذا المسعى هو البيئة الحاضنة للتطبيع الثقافي...
أخيرًا، أيها الموسومون باسم «أديان»، لم يحمل مقالي عنكم «المغالطات والمعلومات غير الدقيقة»، بل أنتم عالمون ما أعلم وأنا عالم ما تعلمون وتعملون، وما تظهرون وما تسرّون، وما إشهاري له سوى شهادة للحق.