مبنى زغلول المتهالك، في المنطقة التي تربط التل بالزاهرية، تجسّد نموذجاً مصغراً لمعاناة عدد من مناطق عاصمة الشمال. «يلعب» سكان المبنى مع المياه «لعبة القط والفأر». تقول إحدى ساكنات المبنى لـ «الأخبار»: «أتناوب مع زوجي على السهر حتى ساعات الفجر في انتظار المياه. أحياناً ينام في السيارة لملء الغالونات من السِكِر، لأن المياه لا تصل إلى الطوابق العليا».


«اللعبة» مستمرة منذ عامين، إلا أن الشهور الستة الماضية كانت الأصعب على سكان هذه المنطقة، إذ يستمر انقطاع المياه أحياناً نحو ثلاثة أسابيع متواصلة، مما يضطر الأهالي، ومعظمهم من الطبقة الفقيرة، للجوء الى الصهاريج التي يكلف الواحد منها نحو 50 دولاراً لمياه الاستخدام المنزلي فقط، عدا عن مياه الشرب. والأنكى من ذلك كله أن مؤسسة مياه لبنان الشمالي تحب «اللعب» أيضاً. فرغم انقطاع المياه «صادرت المؤسسة موتورات ضخ المياه عندما تأخرنا في تسديد الفاتورة، ولم تعدها لنا حتى بعدما دفعنا المتأخرات مع الغرامات. علماً أنها لا تقبل التقسيط، وجميعنا فقراء يشق علينا دفع مبلغ 300 ألف دفعة واحدة»، كما تقول الساكنة نفسها.


زوّد ريفي سكان
منطقة بين الجسرين بصهاريج المياه



تشرح رندا منقارة، من سكان المبنى، تفاصيل «اللعبة» بتوسّع: «ذهبنا إلى مؤسسة المياه قبل فترة، فقيل لنا إن قسطلاً مكسوراً أدى الى انقطاع المياه، وسيعملون على إصلاحه عندما يفك العمّال إضرابهم. فُكّ الإضراب فأصلحوه وعادت المياه... ثم انقطعت في اليوم التالي. ذهبنا الى المؤسسة مجدداً، فحضر العُمّال وكسّروا مدخل البناية لتوسيع المجرى، ثم تركوه مفتوحاً مع الردميات فبات ملعباً للجرذان، وهو على هذه الحال منذ شهر. أخيراً، وعدونا بإصلاحه مطلع العام الجديد». وتضيف: «بعدما يئسنا من المؤسسة لجأنا الى البلدية فأُبلغنا بأن لا شأن لهم بمشكلة المياه، ونصحونا باللجوء الى السياسيين. هل يُعقل وأنا طالبة دكتوراه أن ينحصر تفكيري بكيفية تأمين مياه للتواليت؟!».
مناطق الزاهرية، بين الجسرين، القبة وغيرها تعاني من الانقطاع المتكرر للمياه. وهي، ككل معاناة، لم تخل من الاستثمار السياسي على أبواب الانتخابات النيابية، فانطلقت البيانات المُندِّدة من أكثر من سياسي. وأجرى الوزير محمد كبارة اتصالاته الأسبوع الماضي مع مدير مؤسسة لبنان الشمالي جمال كرَيّم الذي أكد، بحسب ما نُشِر في الإعلام، أن أزمة المياه ناتجة عن انخفاض مستوى الآبار في كل مناطق طرابلس، وأن الورش الفنية تتابع كل خطوط جرّ المياه لمعالجة الأزمة، مشدداً على أن المياه ستعود إلى طبيعتها في اليوم التالي. إلا أن عودة المياه تأخرت لأكثر من أسبوع حتى الآن. وفي الوقت عينه انتشرت على وسائل التواصل منشورات شكر للوزير السابق أشرف ريفي لإرساله عدداً من صهاريج المياه إلى سكان منطقة بين الجسرين.
مصدر في مؤسسة مياه لبنان الشمالي أوضح لـ «الأخبار» أن «كمية الأمطار القليلة لهذا العام أدّت الى انخفاض منسوب المياه في الآبار الجوفية في طرابلس، وبالتالي انخفضت كمية المياه المنتجة عن المعدّل المعتاد. لذا لا تصل إلى جميع المشتركين بنفس القدر، مما يؤدي إلى معاناة بعض المناطق أكثر من غيرها. أما انقطاع المياه في منطقة الزاهرية تحديداً فسببه ارتفاع مستوى الشبكة في المنطقة عن غيرها من المناطق واهتراؤها مما يصعب معه وصول المياه في كل الأوقات. أما المناطق المرتفعة مثل القبة وأبي سمراء فتصلها المياه من خلال خزانات خاصة بها، وهي على شبكة منفصلة وموصولة على مصادر مياه مختلفة، ولكن بسبب نقص المياه نضطر للجوء الى التقنين». وأشار الى دراسات تعمل المؤسسة على إنجازها بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار لتأمين مصادر مياه جديدة لطرابلس.