«فشلنا في كذا وكذا، ولكن أيضاً نجحنا في كذا وكذا». كان هذا ملخّص حديث لرئيس بلديّة الغبيري، معن خليل، مع «الأخبار» قبل نحو ستّة أشهر. جاء ذلك في مناسبة مرور عام على الانتخابات البلديّة. بدا لافتاً أنّه، كمسؤول لبناني، يستخدم مفردة «فشلنا». هذا ليس مألوفاً عندنا. مفردة، على بساطتها، خارج السائد. منذ ذلك الحين، راح الناس، قاطنو نطاق الغبيري تحديداً، يلحظون أن أشياء جديدة تحصل مِن حولهم. أُضيئت بعض طرقات العتمة المزمنة.


اختفت بعض مكبّات النفايات التاريخيّة، التي زاد عمرها على عشرين عاماً، و«ظهرت» براميل أمام كلّ مبنى. لا رائحة وذباب بعد اليوم. ضُبِط، إلى حدّ ما، تفلّت فاتورة أصحاب المولّدات الكهربائيّة الخاصّة (الاشتراك). جرى تحويل وجهة السير في بعض الطرقات، ومنع «عكس السير» بالقوّة، ما أدّى إلى تراجع ملحوظ في حدّة الزحمة. إجراء بديهي لم يحصل سابقاً (لسبب ما). تضاءلت الضوضاء الصادرة عن المقاهي، ليلاً، بعد قرار (صادم) بإقفال المقاهي المنتشرة في الأحياء السكنيّة عند منتصف الليل. كلّ خطوة مِن تلك أحدثت ردود أفعال. ما الذي يحصل؟ معن خليل يُريد أن يفعل شيئاً. يُريد أن يُنجز. ينزل إلى الشارع بنفسه. حماسة الشباب تعمل، وإن عدّها البعض، أحياناً، استعراضيّة. لا بأس، المهم عند الناس «أكل العنب». فجأة، يسمع الجميع باسم خليل، بعيداً عن نطاق بلديّته، إنّما بعنوان سيّئ: تسميم الكلاب الشاردة. لنحسم الجدل، هذه خطوة لا يُمكن الدفاع عنها. بالمناسبة، هذا عمل يحصل في كثير مِن المناطق اللبنانيّة، كعرف «بلديّاتي» قديم، إنّما كان مِن سوء حظّ الرجل أنّ ثمّة كاميرا سجّلت المشهد. لولا الكاميرا! دخلت السياسة الممذهبة لبنانيّاً على الخطّ. هذه إحدى «أوسخ» الظواهر الاجتماعيّة في بلادنا. لا يُحصر فعل بفاعله، بل بحزبه، مذهبه، دينه، منطقته، لكنته وربّما شكل وجهه. هكذا ومِن اللحظة الأولى. إلى اليوم، لا يُريد خليل الحديث في هذا الموضوع، ويتركه لمساره «الطبيعي».
معن خليل ليس نبيّاً. ليس الحلّ لكلّ ما لا حلّ له. إنّما يُحاول، وقد نجح في أكثر مِن ملف، وأقدم على ما لم يُقدم عليه كثيرون في محيطه، في بلديّات أخرى محسوبة على الطرف السياسي نفسه. بعد أسبوع ستكون المقاهي، في نطاقه، على موعد مع «التشهير» بأصحابها إن لم تستبدل «مياه المجارير» بأخرى نظيفة لإعداد القهوة! سيُكشَف عن أسمائها، وهي كثيرة، إن لم تلتزم، فضلاً عن العقوبة. العاملون في المحال التجاريّة، خاصة الغذائيّة مِنها، لا بدّ أن يحصلوا على «بطاقة صحيّة». هذه تُجدّد كلّ ثلاثة أشهر. أمر «سيخنق» الكثير مِن التجّار، حتماً، لكن «مَن يُرد أن يتسمّم فهو حرّ، فليتسمم بعيداً عن هنا». يقول خليل إنّ بعض العاملين تبيّن أنّهم مرضى، وبعض الأمراض معدٍ. كما تبيّن، بعد الفحص، أن الكثير مِن المواد الأوليّة المستخدمة، وأهمهما الماء، ملوّثة بنسبٍ عالية. أمّا عن بائعي الماء «الفلت» في الأحياء، فظهر أنّ مِن أصل 50 محلّاً هناك خمسة فقط تبيع ماء صالحاً للشرب. هناك مَن لم ينتظر نتائج الفحوصات، فأقفل محلّه وهرب، وهناك من أُجبِر على الاقفال. يقول: «الآن، وعلى مسؤوليتي، أدعو الناس لشراء الماء مِن هذه المحال، بعدما بتنا على يقين أنّ الماء أصبح غير ملوّث، ودوريّات الكشف مستمرة».
الحديث هنا هو عن إدارة إدارة سُلطة محليّة، وهي إدارة تحتاج أفقاً معرفيّاً من نوع مختلف. بعض البلديّات رُشّح لها مثلاً مَن قضى عمره في مهنة بيع الخضر، أو في إصلاح كهرباء المنازل، ولهؤلاء كلّ الاحترام، ولكن هذا لا يعني أن مكانهم الطبيعي هو في رئاسة بلديّة. هي الحكاية الشهيرة عن الشخص المناسب في المكان المناسب. بعض الخطوات، التي تجعل المكان أفضل، لا تحتاج إلا إلى مبادرة بسيطة، لا إلى أذونات مِن مجالس علية ولا إلى مبالغ مالية غير موجودة. لكنّ هذه المبادرة، مرّة أخرى، ترتبط بالذهنيّة وبفهم الشخص لمعنى البلديّة، بل وربّما بفهمه للعالم بعيداً عن محلّ حذائه. مثال على ذلك، أن يذهب رئيس بلديّة الغبيري إلى وزير التربية والتعليم، ويطلب مِنه إنشاء مدرسة جديدة في منطقته، ويحصل على وعد بذلك. هذا جرى أخيراً. هكذا فقط، الأمر يحتاج منك أن تكون شخصاً يعرف أهميّة المدارس، وأن تعتبر، في مجال آخر، أنّ الحدائق العامة مسألة حياتيّة أساسيّة، لا مِن قبيل «الترف الفكري»! بالمناسبة، مَن يقرأ صلاحيّات البلديّات، بحسب القانون، يجد أنّ إنشاء المدارس ليس إلا واحدة مِن مهامها، فضلاً عن إقامة الحدائق العامة والمراكز الثقافيّة، وصولاً إلى بناء «مساكن شعبيّة».
يقطع خليل وعداً، أنّه، قبل نهاية العام الجاري، لن يكون هناك شارع واحد في الغبيري غير مضاء ليلاً. بوشر العمل فعلاً وبدأ عند طريق صيدا القديمة. هذا أمر يمكن رصده ويُمكن أن يُسأل عنه نهاية العام. لا يهدأ الهاتف على مكتبه. فريق عمل يدخل عليه وآخر يخرج. أوراق توضع وأخرى تُرفع. كتب سياسيّة ودينيّة تطل مِن مكتبه. ينشط على وسائل التواصل الاجتماعي وينشر، بنفسه، أخبار بلديّته يوميّاً. طبع على مدخل المبنى عبارة: «سنخدمكم بأشفار عيوننا». هذا شعار قديم للسيّد عباس الموسوي. لن يجعل منطقته جنّة على الأرض، حتماً، فمسألة الضاحية الجنوبيّة لبيروت أكبر مِن مجرّد بلديّة. لكنّه، بالعموم، يعد بأن يعمل ليُصبح الواقع أفضل، وأنّه... نعم يستطيع. الرجل يُريد أن يفعل شيئاً. أن يترك بصمة. لديه الفرصة، والوقت، فلنتابع.