تلك الليلة، لم يكن مروان مخموراً. ليس في دمه أيّ إثر لكحول. هذا ما أثبته جهاز الفحص بيد الشرطي. على الأخير ألا يعود مِن عمله، كما تقتضي الأوامر عادة، إلا وقد حرّر عدداً مِن محاضر الضبط. نجا مروان، إلى الآن، وقد أُنزِل مِن سيارته وجرى تفتيشه. لا ممنوعات بحوزته. بدأ عناصر الحاجر تفتيش سيارته. زجاجة بيرة فارغة، هذا ما وجدوه، فنادى أحدهم للضابط: وجدتها.


فرصة لمحضر ضبط لن تفوّت. عقوبة الشاب أن يدفع غرامة قدرها 350 ألف ليرة لبنانيّة. لم يُصدّق ما يحصل له! يا جماعة، لست سكراناً، وهذه «قنينة» قديمة، ما المشكلة الآن! إنّه القانون. قانون! مروان، كأكثر الناس، لم يكن يعرف تفاصيل قانون السير الجديد. أحد عناصر الحاجز أشفق عليه: «ليك، إذا بتعرف حدا اتصل فيه خلّيه يحكي مع الضابط، شوف شو بدّك تعمل». كان هذا قبل تدوين المحضر. سأل الشاب أحد الملّمين بالقانون، هاتفيّاً، فأخبره أنّ لا حقّ للشرطة بذلك طالما أنّ السائق ليس سكراناً، أو، بمعنى أدق، لا أثر لتلك النسبة (المُعيّنة) مِن الكحول في دمه، والتي تظهرها الآلة عبر التقاط أنفاسه. ذاك الخبير، أيضاً، لم يكن يعلم بدهاليز القانون الجديد. ذهب مروان، بعد أيّام، كمواطن شاطر ودفع الغرامة لدى مفرزة سير جونية. دوّن الضابط في محضر الضبط، حرفيّاً، نوع المخالفة: «نقل زجاجات أو عبوات كحوليّة غير مقفلة مِن مصنعها داخل المركبة». هذا وارد، بالنصّ، كجرم قائم بذاته ضمن المادة 17 مِن قانون السير الجديد. المخالفة هذه تُعدّ مِن الفئة الثالثة. سأل المُعاقَب: يعني لو كان معي صندوق بيرة في السيارة، لم تُفتح زجاجة منه، وهو كما هو مِن المصنع، فلا غرامة؟ الجواب: نعم، لا غرامة. سألنا أحد المسؤولين الأمنيين، المختصّين، فأكّد لنا ذلك. غريب! ماذا لو أنّ الزجاجة كانت في حوزة مَن هو إلى جانب السائق، والأخير لم يشرب مِنها شيئاً؟ سيُغرّم صاحب السيارة. ماذا لو أنّها قديمة في السيارة، منذ شهر مثلاً؟ سيُغرّم أيضاً. ماذا لو التقطها الشخص عن الطريق، فارغة، أعجب بشكلها الهندسي مثلاً، وأحب أن ينقلها إلى منزله للزينة؟ سيُغرّم! طيّب مملوءة ومقفلة كما اشتراها؟ هنا لا بأس! مَن وضع هذه المادّة في القانون؟
لا يُحاجِج المسؤول الأمني، المُختص، في عدالة تلك الغرامة وفق المادة القانونيّة المذكورة. يقول: «نعم، ربّما يُظلم البعض، ولكن هذا أفضل للسلامة العامة، فمفعول تناول الكحول أثناء القيادة، تحديداً، آثاره كارثيّة». هذا صحيح، وتُشكر السُلطات على حرصها هذا، ولكن طالما أنّ الفحص أثبت «براءة» السائق مِن الشرب الآني، فلِمَ يُعاقب؟ ما مِن جواب هنا إلا وفق قاعدة «الاحتياط»... أو لعلّه، وهذه مِن مفارقات التشابه بين الشرائع الدينيّة والقوانين الوضعيّة، يكون أقرب إلى قاعدة «سدّ الذرائع» الفقهيّة. بالمناسبة، النسبة الدنيا التي يُعاقب عليها السائق لشربه، وفق قانون السير، هو وجود 0.5 غ/ل مِن الكحول في دمه، وهذه نسبة يُمكن ألا يصل إليها الشارب مِن مجرّد شرب زجاجة بيرة واحدة، ما يُظهر «ارتجاليّة» وضع القوانين في بلادنا. عموماً، ستمرّ سنوات وفق القانون الجديد، لتظهر الثغرات والتناقضات، وبالتالي الحاجة إلى تعديلات تشريعيّة في النصّ. هذا يحصل، ومفهوم، ولكن مَن يضمن حصول تعديلات في بلاد لا تزال تعمل وفق بعض قوانين القرن التاسع عشر العثمانيّة! سيكون هناك الكثير مِن مروان، الذي عليه أن يدفع غرامة قدرها 350 ألف ليرة، رغم عدم سكره، بل عدم شربه، وهكذا.