في أكثر الأنظمة ليبراليةً، ينعقد جزءٌ من دور الدولة مباشرة على رعاية التعليم الرسمي؛ فتكون المدرسة الرسمية حلقةً أساسية من انتظام التعليم. ويسير هذا الدور من ضمن السياق المفضي إلى وجوب تحقيق التوافق السياسي والاجتماعي في بلدٍ ما حول أهداف مشتركة ومتجانسة يعمل الجميع على تحقيقها بأكبر قدر ممكن من الفعاليّة، في ضوء توجيهات السلطة السياسية القائمة.


في لبنان، الدولة التي تنتهج النهج الليبرالي في الاقتصاد، يصبح المنادون بسيادة الدولة في مجالَي الأمن والدفاع، أول الساعين، بالفعل وبالممارسة، إلى تقليص هامش سيادة الدولة في مجال التربية، والخارجين من عباءتها إلى مشاريعهم الخاصة على حساب الدولة والمشروع الوطني الضروري للمجتمع.
كان التوسع الأفقي في بناء المدارس الرسمية منذ خمسينيات القرن الماضي واعداً بتحقيق قفزة مهمة في استكمال عناصر الوحدة الوطنية والأمان الاجتماعي، ممرّه الإلزامي اضطلاع الدولة بدورٍ محوري في التنشئة الاجتماعية، وعاموده الفقري توافر البعد الإندماجي في العملية التربوية. لكن، سرعان ما قطعت الطوائف الدينية والجمعيات الخيرية المرتبطة بها الطريق على الدولة، كيف لا وكلٌّ منها تحسب نفسها دولة. فحدّت الطوائف، من خلال ممثليها السياسيين، من دور الدولة، وظهّرت بشكل باطل أنّها غير قادرة على القيام بهذه المهمة وحدها.
هكذا استباحت الطوائف الدينية سيادة الدولة في مجال التربية، مطالبةً بأن ترعى بنفسها وفي مدارسها الخاصة توفير فرص التعليم للأولاد الأقل حظاً في الحياة، ولا سيما في القرى والبلدات النائية، وذلك وفقاً لمشاريعها الفئوية في التنشئة الاجتماعية، لا وفقاً للأحكام العامة التي تصدرها الدولة – كما تنص المادة العاشرة من الدستور التي ترعى حرية التعليم والتي لم تحترمها الطوائف الدينية على وجه الإجمال.
فكانت المدارس الخاصة المجانية، ذات الوضع القانوني الملتبس الذي لا مثيل له في العالم حتى من ضمن الأنظمة الأكثر ليبرالية. وأعطيت الاجازات بفتح المدارس المجانية للجمعيات والافراد على حد سواء، لغاية عام 1993، فانتشرت تلك المدارس على مجمل الأراضي اللبنانية. ولكن لم يدم مبدأ مشاركة الاهل والدولة أعباء التعليم، فأصبحت المدارس الخاصة المجانية، أداة نهب الدولة من قبل المؤسسات التربوية للطوائف. بالتفصيل، تهدر الدولة مليارات الليرات سنوياً على المدارس الخاصة المجانية وعددها 370 مدرسة... وتحت شمّاعة تعليم «فقراء الطائفة»، وخديعة حرية التعليم، والكلام غير الدقيق عن نوعية الخدمات التعليمية في المدارس الخاصة على وجه الإجمال. فالجهات المسؤولة عن إدارة هذه المدارس من عمائم وجبّات وجلابيب تضخّم أعداد التلاميذ المسجلين لتحصل على أموال إضافية من الدولة، كما تُجمع العديد من تقارير التفتيش، لا سيما منها العائدة إلى العام 2015. وكانت لجنة المال والموازنة بغاية القلق إزاء هذه التقارير في ذلك الوقت، ولم نعد نسمع شيئاً عنها بعد ذلك.
تتعالى الأصوات أخيراً، تحت العنوان المنمّق نفسه القاضي بمشاركة الأعباء بين الأهل والدولة، من أجل أن تُستنزف خزينة الدولة مجدداً في دفع الأموال إلى مؤسسات الطوائف الدينية لتأمين كلفة مستحقات زيادة أجور الأساتذة. إن موازنات المدارس الخاصة لا تشير إلى عدم قدرتها على تغطية تكاليف الزيادات. أكثر من ذلك فتجربة المدارس الخاصة المجانية غير مشجعة للدولة للإستثمار في التعليم الخاص. ثم إن الأحرى بالدولة أن تستثمر في التعليم الرسمي كما هي التوجهات في كل النظم السياسية، لا سيما منها الليبرالية، فلماذا تقبل الدولة والقيمون عليها أن تُستباح سيادتها إلى هذا الحد وتُنهب أموالها؟
أخيراً، إن أكثر ما يدعو إلى الإنتفاض على كل ما يحدث هو الخطاب الصادر عن بعض المرجعيات الدينية، وقوامه أن المدرسة الخاصة هي كالمدرسة الرسمية ذات منفعة عامة. خذوا أموال الدولة لو يهبكم إياها القائمون بأعمال الحكم، لكن لا تقدّموا مدارس الطوائف على غير الصورة التي تعمل عليها في إذكاء الثقافات الطائفية، وتعميم فوضى التعليم الديني، وخلق بيئات منعزلة، وأجيال متعصّبة... حيث أن مشاريع هذه المدارس هي مشاريع فئوية بامتياز، لا كالمشروع الوطني الذي تؤتمن عليه المدارس الرسمية، بعد أن تتوافر لها عناصر التطوير التربوي بمختلف أبعاده ومستوياته وشروطه.
* أستاذ في كلية التربية
في الجامعة اللبنانية