تحمل نتائج الانتخابات المقبلة في دائرة الشوف ــ عاليه أكثر من بعد سياسي، كخلاصة طبيعيّة لوصول الرئيس ميشال عون إلى سدّة الرئاسة. فهي بالدرجة الأولى، ستكون اختباراً لمدى قدرة عون على إعادة نفوذ الرئيس «المسيحي القوي» إلى الجبل الجنوبي، بعد أن أفرزت نتائج الحرب الأهلية انحساراً للنفوذ السياسي الماروني في الشوف وعاليه، وإطباق الزعامة الجنبلاطية على مفاصل القرار. وفي الوقت نفسه، يضع الاستحقاق الانتخابي جنبلاط أمام تحدّي توريث زعامة غير «مهزوزة» لابنه تيمور، الآتي إلى كرسي «البكويّة»، بتسليم تلقائي من رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي، في ظاهرة نادرة عند زعماء آل جنبلاط.


رئيس اللقاء الديموقراطي أكثر السياسيين اللبنانيين قدرةً على إعادة التموضع. وهو سلّم أخيراً بالقدر المرسوم في قانون الانتخابات الجديد، وبخسارته نائبين أو ثلاثة من كتلته، مع أن قانون الانتخاب كان يمكن أن يكون قاسياً عليه للغاية، لو لم يضغط الرئيس نبيه بري وحزب الله لإبقاء الشوف وعاليه دائرة واحدة.
إلّا أن جنبلاط، الذي استبق الآخرين بكشف أوراقه وأسماء مرشّحيه، لا يزال ينتظر بازار البيع والشراء في التحالفات الانتخابية، بعقليّة الماضي. فهو يستميت لحصول ائتلاف عريض في الشوف وعاليه يضمّ الاشتراكيين والقوات اللبنانية وتيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ، يحميه سياسياً ويؤكّد دوره المحوري في الجبل.


يرفض جنبلاط ترشيح
أرثوذكسي قواتي أو عوني
ويريد الحفاظ على المقعد للهبر
لكنّه في ذات الوقت، لا يقدّم عروضاً مشجّعة للآخرين للتحالف معه، فيعرض نائباً على تيار المستقبل ونائباً على القوات ونائبين على التيار الوطني الحرّ. وهو من جهة يستثمر بالعلاقة التاريخية والشخصية مع الرئيس سعد الحريري لكي يقبل بنائب واحد ويتخلّى عن ترشيح الوزير غطّاس خوري، وبثبات التحالف مع القوات الذي نسجه مع النائب جورج عدوان، معترضاً على ترشيح القوات أرثوذوكسياً في عاليه، هو أنيس نصّار. فيما يغازل التيار الوطني الحرّ من كيسه، بمقعد للوزير سيزار أبي خليل، وهو محسوم من دون منّة من أحد، ويقلّص حصّة العونيين المثبتة من نائبين إلى نائب في الشوف، ويرفض ترشيح التيار لإيلي حنا عن المقعد الأرثوذوكسي في عاليه، ملتزماً مع الكتائب ترشيح النائب فادي الهبر على المقعد نفسه.
حتى الآن، تتخبّط الدائرة بجملة خيارات انتخابية وسياسيّة، من دون أن يظهر أفق التحالفات. فالعلاقة بين القوات والتيار الوطني الحر لم يتّضح مستقبلها، بعد أشهر من الصّدام والاتهامات المتبادلة، وهي متوقّفة على الاتصالات التي تحصل أخيراً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى علاقة القوات بتيار المستقبل، والأزمة التي حصلت بعد إجبار الحريري على تقديم استقالته في المملكة العربية السعودية. ولعل الجزء الأصعب، هو العلاقة الانتخابية بين التيار الوطني الحر وجنبلاط، علماً بأن الحريري سيكون محرجاً إذا تواجَه حليفاه ولم يصل التحالف المرتجى إلى خواتيم إيجابية، وهو الذي يرغب في تحالف عريض مع التيار الوطني الحرّ في كلّ الدوائر. وعلى ما تؤكّد مصادر نيابية معنيّة في تيار المستقبل والحزب الاشتراكي، فإن الحريري وجنبلاط اتفقا مسبقاً على التحالف معاً في الشوف وبيروت والبقاع الغربي. كذلك، لعلاقة تيار المستقبل بالجماعة الإسلامية تأثير مباشر في الدائرة، وما إذا كان المستقبل سيساعد الجماعة الإسلامية في بيروت للحصول على مقعد، ليستفيد من قدرتها التجييرية في إقليم الخروب، أم أن الخلافات القطرية ــــ السعودية تمنع الحريري من التحالف مع الجماعة، وبالتالي ستندفع الأخيرة إلى تبنّي مرشّح خاص بها في الإقليم.
على المقلب الآخر، يمنع رفض النائب طلال أرسلان تأليف لائحة مشتركة مع الوزير السابق وئام وهّاب، قوى 8 آذار من تأليف لائحة منافسة قويّة في وجه أي تحالف آخر، تستطيع حصد خمسة مقاعد في حال التحالف مع التيار الوطني الحرّ من أصل 13 مقعداً في الدائرة (8 مقاعد في الشوف و5 مقاعد في عاليه).

عقدة تيمور


يجد الحزب التقدمي الاشتراكي صعوبةً في تقسيم أصواته التفضيلية بين تيمور جنبلاط والنائب مروان حمادة. بالنسبة إلى جنبلاط، من المهمّ أن يصل تيمور بأرقام مرتفعة ما دام المنافس هو وهّاب، وبالتالي يجب تأكيد ابتعاد تيمور بأشواط عن وهّاب، وكذلك في رفد نجله بالأصوات الكافية لكي لا يتقدّم عليه النائب أكرم شهيّب، ذو الحيثية القويةّ في عاليه والمرشّح لتصدّر اللائحة بالأرقام. إلّا أن حماية تيمور وتحصينه يفرضان أيضاً ضمان حمادة بالأصوات الجنبلاطية حتى لا يكون أي خرق على حسابه، على اعتبار أن خسارة جنبلاط أحد المقاعد الدرزية لا تضاهيها خسارة. ومع أن ماكينة الحزب الاشتراكي هي الأفضل بين منافساتها في الجبل، مع قدرة تجييرية وتنظيمية عالية، إلّا أن عملية توزيع الأصوات بين تيمور وحمادة دقيقة حتى لا تشوبها أخطاء قاتلة. وعلى الحزب الاشتراكي أيضاً حماية مقعد النائب نعمة طعمة، ابن المختارة وإحدى صلات وصل جنبلاط بالسعودية، وأبرز ممولي لائحة «البيك». تعدّ حيثية طعمة الشعبية مهدّدة أمام المرشّحين الكاثوليك الآخرين مثل القيادي في التيار الوطني الحرّ غسان عطالله. ولعلّ الأخطر على طعمة، وعلى لائحة جنبلاط، وجود وهّاب على لائحة التيار الوطني الحرّ، بحيث يصبح الخطر مضاعفاً، ما دام عطالله أتى أوّلاً في الانتخابات الداخلية للتيار الوطني الحرّ، ومن المحتمل أن يحوز أصوات التيار التفضيلية، متقدّماً على المرشحين الموارنة.

التيار الوطني الحر يدرس
التحالف مع وهّاب وأرسلان
يمانع لائحة واحدة معه


البستاني «قيمة مضافة»

كان لافتاً تأكيد جنبلاط لتحالفه مع الوزير السابق ناجي البستاني. 40 عاماً من الصراع العلني والخفي بين البستاني وجنبلاط محتها المصلحة الانتخابية. «ناجي قيمة مضافة» قال جنبلاط. البعض شعر وكأن جنبلاط ورّط البستاني، فلا هو استطاع رفض كونه قيمة مضافة، ولا التأكيد، مثبّتاً التحالف مع جنبلاط. فصباح اليوم التالي، كان البستاني في قصر بعبدا يزور الرئيس عون، وعلى ما تقول مصادره فإن «علاقتنا بالرئيس عون ثابتة ومتينة ونحن نتواصل مع الجميع ومع وليد بك، وكل الخيارات موجودة». فيما تؤكّد مصادر في التيار الوطني الحرّ أن «جنبلاط اتصل بالبستاني قبيل مقابلته التلفزيونية الأسبوع الفائت وأبلغه أنه سيرشحه، ولم يعترض». بالنسبة إلى جنبلاط، ناجي البستاني رافعة للائحته، ويستطيع أن يستقطب أصوات مسيحيين من القاعدة المشتركة مع التيار الوطني الحر. وبالنسبة إلى العونيين، البستاني يضمن أن لا تتشتت أصوات التيار، وقد يكون وجوده عاملاً لفوز آخرين في لائحة التيار، وليس بالضرورة أن يكون هو الفائز. بينما يهمّ البستاني أن يكون في لائحة، أي لائحة، تؤمّن له الحاصل الانتخابي وهو يتكفّل بأصواته التفضيلية، مع الحفاظ على العلاقة مع الجميع، مع تفضيله أن يكون في لائحة التيار. وبحسب المعلومات، فإنه اتفق مع الوزير جبران باسيل على أن يلتقيا قريباً. وبين غالبية القوى في الشوف، القوات اللبنانية وحدها من يجد أزمة في النزول بلائحة واحدة مع البستاني.

ماريو عون: أنا الأقوى

لا يتعب الوزير السابق ماريو عون من السعي لحصول ائتلاف بين جنبلاط والتيار الوطني الحر. وهو يعمل جنباً إلى جنب مع طعمة لتأمين حصول هذا التحالف، الذي يضمن فوزهما، باعتقادهما. وفي الوقت نفسه، يزور عون وهّاب ويعلن رغبة التيار في تشكيل لائحة معه في مواجهة لائحة جنبلاط. إلّا أن ماريو عون، الذي يؤكّد وجود سعي لأجل التحالف مع جنبلاط، يقول لـ«الأخبار» إن «التحالف لم يحسم بعد ونميل أكثر نحو تشكيل لائحة مع وهّاب، زرته من يومين وتحدثّنا بالأمر». ويؤكّد أنه زار البستاني أيضاً وعرض عليه أن يكون في كتلة التغيير والإصلاح، لكنّه لم يرد جواباً، مع العلم أن التيار رشّح غياث البستاني. وعن المرشّح زياد الشويري ابن بلدة الدامور، يقول عون إن «الشويري يصنّف نفسه قريباً من التيار، لكنّه لا يقتنع بأن التيار لديه مرشح قوي هو ماريو عون». أمّا حول التحالف مع المستقبل، فيؤكّد أن التيار يرغب في أن يكون اللواء إبراهيم بصبوص على لائحته (المقعد السني)، علماً بأن الوزير طارق الخطيب مرشّح (سنّي)، و«الحريري يريد أن يجد حلّاً للتحالف العريض، لأنه يريدنا ويريد جنبلاط». وينتقد عون تعاطي جنبلاط مع القوى السياسية: «يتعامل على قواعد كما في السابق بأن يعطينا الفتات». فيما تقول مصادر متابعة في التيار الوطني الحرّ، إن مصلحة التيار ليست في التحالف مع جنبلاط، بل على العكس، لأن «هناك الكثير من أصواتنا لن تشارك في الانتخابات إذا كنّا في تحالف معه، وبالتالي إن أي خرق من اللوائح المضادة سيكون على حسابنا». ثمّ إن «جنبلاط يطرح علينا مقاعد عليها معركة، حتى مقعد ماريو عون لن يكون محسوماً، إذ إن أي خرق سيكون على حسابه، لأن عدوان يستطيع الحصول على كامل أصوات القوات التفصيلية، والبستاني يأخذ من أصوات التيار، بينما قد تنقسم أصوات عون مع الشويري في الدامور، وبالتالي المقعد ليس محسوماً في التحالف، بينما نحن حصتنا نائبان في الشوف وكسور».

وهّاب واللائحة الثالثة

أمام غياب الوضوح في التحالفات، يجري الحديث عن الخيارات الأفضل أمام قوى 8 آذار. وإن كان الائتلاف بين وهاب وأرسلان يكاد يكون مستحيلاً، فإن تحالفاً بين وهّاب والحزب السوري القومي الاجتماعي وباقي قوى 8 آذار، قد يكون خياراً وحيداً أمام هؤلاء لمحاولة الخرق، مدعوماً بأصوات حزب الله. ويضع الحزب القومي عينه على المقعد الأرثوذوكسي في عاليه، فيما يؤكّد أكثر من «خبير انتخابي» أن هذ التحالف قد لا يوصل وهّاب إلى الندوة البرلمانية، إنّما يسمح له بإيصال أحد المرشّحين على لائحته. وحتى الآن، يبرز اسم المرشّح القومي حسام العسراوي عن المقعد الدرزي، فيما لم يحسم القومي أسماء مرشّحيه في الدائرة، مع ترجيح طرحه مرشّحاً أرثوذوكسياً.




برجا تريد نائباً



على الرغم من القرار والرغبة المشتركة بين النائب وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري في خوض الانتخابات في لائحة موحّدة في الشوف وعاليه، إلّا أن خريطة التحالف لم تتّضح بعد. فجنبلاط حتى الآن يعرض على المستقبل مرشّحاً واحد هو النائب محمد الحجّار، الذي يستطيع المستقبل ضمان ربحه من دون هذا التحالف. وبإعلان الزعيم الاشتراكي ترشيحه الوزير السابق ناجي البستاني، فإنه قطع الطريق على ترشيح غطّاس خوري، فيما يتمسّك جنبلاط بترشيح الدكتور بلال عبدالله (ابن بلدة شحيم) لأحد المقعدين السنيين. ومع أن كثيرين يعتقدون أن ترشيح عبدالله قابل للمساومة، إلّا أن جنبلاط يصرّ على ترشيح المستقبل أحد الأسماء من بلدة برجا، نظراً إلى الاعتراض الواسع في البلدة على غياب أيّ مرشّح منها، والدور الذي يلعبه النائب علاء الدين ترّو للمساهمة في اعتراض أبناء برجا على ترشيح جنبلاط اسماً من شحيم.
ويقول الحجّار لـ«الأخبار» إن «التحالفات ليست نهائية؛ نحن لدينا اتفاق مع الحزب الاشتراكي، لكن هذا الاتفاق يجب أن يتبلور أكثر في المرحلة المقبلة، والقانون الحالي يفرض تحالفات موضعية. وبشكل عام، التحالفات لم تنضج بعد، لا سيّما في النقاشات مع القوات والاشتراكي والتيار الوطني الحر».