يحدد المشترع درجة الإلزام في القانون من خلال طبيعة الأمر الذي تضمّنه، وهذا ما يستقى من خلال صياغته. فإذا استخدم مصطلحات قطعية الدلالة لا تفسّر إلا باتجاه محدد ملزم، كانت الحكومة مقيّدة بالتفسير الذي حدده المشترع. فعلى سبيل المثال، منع القانون الرقم 46 بتاريخ 21/8/2017 جميع حالات التوظيف والتعاقد بما فيها القطاع التعليمي والعسكري بمختلف مستوياته واختصاصاته وفي المشاريع المشتركة مع المنظمات الدولية المختلفة، إلاّ بقرار من مجلس الوزراء بناءً على تحقيق تجريه إدارة الأبحاث والتوجيه في مجلس الخدمة المدنية.


ولهذا فإن الحكومة ملزمة بعدم التعاقد أو التوظيف إلا بناءً على هذا القرار.
وفي حالاتٍ أخرى، يرى المشترع من المناسب إعداد دراسة مستفيضة لمسألة معينة، فيأتي الإلزام بتكليف الحكومة بتقديم الاقتراحات المطلوبة من دون أن يتضمّن تفويضاً للحكومة ممارسة صلاحية تنظيمية. وهذه الحالات كثيراً ما يستخدمها المشترع عندما يرى أن من المناسب إقرار المبدأ الجديد ليعلن انطلاق العمل في الخطة المقترحة، على أن تضع الحكومة المشاريع اللازمة والرجوع إلى مجلس النواب للتقرير.
وهذا ما حصل في اعتماد البطاقة الالكترونية الممغنطة. فالمادة 85 من القانون الرقم 44 بتاريخ 17/6/2017، هي بمثابة صافرة الانطلاق لإقرار البطاقة الممغنطة، إلا أنها ليست نهائية في هذا المجال، بل هي مجرّد إلزام للحكومة بالشروع في الخطوات لوضع قانون خاص لتنفيذ هذه البطاقة.
وهذا الأمر واضح من صياغة النص المذكور: «على الحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين بناءً على اقتراح الوزير، اتخاذ الإجراءات الآيلة إلى اعتماد البطاقة الالكترونية الممغنطة في العملية الانتخابية المقبلة، وأن تقترح على مجلس النواب التعديلات اللازمة على هذا القانون التي يقتضيها اعتماد البطاقة الالكترونية الممغنطة». بحسب هذا النص، أوجب المشترع على الحكومة أن تتخذ بمرسوم في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين الإجراءات الآيلة إلى اعتماد البطاقة الالكترونية الممغنطة، ولو اكتفى المشترع بهذه الفقرة لكان ذلك بمثابة تفويض بإصدار الأنظمة التنفيذية اللازمة. إلا أنه أضاف فقرة أدت تلقائياً إلى حصر صلاحية مجلس الوزراء بالأمور الإجرائية فقط في ما يتعلق بالبطاقة المذكورة، حيث فرض على الحكومة أن تقترح على مجلس النواب التعديلات اللازمة على قانون الانتخاب التي يقتضيها اعتماد البطاقة.
ما يعني أنه لا بد، قبل وضع أنظمة البطاقة الانتخابية الممغنطة موضع التنفيذ، أن تعمد الحكومة إلى وضع مشروع قانون جديد لتعديل قانون الانتخاب المرعي الإجراء بما يتيح تطبيق نظام الاقتراع الجديد بموجب البطاقة الممغنطة.
وما يعزز هذا التفسير، أن كل المواد الواردة في قانون الانتخاب وذات الصلة بالقوائم الانتخابية وآلية الاقتراع لا تشير إلى البطاقة الانتخابية الممغنطة، بل لا تزال تتحدث عن بطاقة الهوية وجواز السفر.
نخلص من كل ما تقدّم، إلى أن قانون الانتخاب المرعي الإجراء لا يجيز اعتماد البطاقة الممغنطة في الانتخابات المقبلة، وأن هذه الإجازة تستوجب صدور قانون خاص.
* أستاذ القانون الإداري
في الجامعة اللبنانية