وزارة المال هي الوزارة الوحيدة التي تتولى إدارة الأموال العمومية وحفظها (المادة الأولى من المرسوم 2868 تاريخ 16/12/1959). وفي سبيل تأدية هذه المهمة، فرض قانون المحاسبة العمومية أن يكون لها مراقب مالي في كلّ وزارة (المادة 64)، وهي تشرف على إعداد موازنة كل الوزارات (المادة 13 وما يليها) وتنفيذها وتتولى إصدار حوالات الصرف لكل الوزارات بواسطة رئيس مصلحة الصرفيات (المادة 79)، ومن خلال هذه المهمة تحدد اختصاص وزارة المال بكل ما يتصل بالشؤون المالية، ما أثار الإشكالية حول تفسير معنى الشؤون المالية التي تجعل من وزير المال الوزير المختص بحسب المادة 54 من الدستور التي تنصّ على أن: «مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصّون..»، وهذا ما استدعى استعراض الموقف التشريعي والاجتهادي من هذه المسألة.


أولاً: موقف مجلس النواب

كان مجلس النواب حاسماً في حفظ صلاحية وزير المال بالتوقيع على مراسيم إحالة مشاريع القوانين التي ينجم عنها مفاعيل مالية، بحيث لا يتردد بردّ أي مشروع قانون تترتبّ عنه مفاعيل مالية ولا يكون موقعاً عليه من وزير المال، ونذكر كأمثلة فقط ما حصل في جلسة مجلس النواب تاريخ 20/3/2001، حيث ردّ المجلس مشروع القانون الوارد بالمرسوم الرقم 4785 الرامي الى الإجازة للحكومة إبرام الاتفاقية المسماة «اتفاق للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والفني بين حكومة الجمهورية اللبنانية وحكومة دولة قطر»، وكان سبب الرد هو عدم توقيع وزير المال على هذا المرسوم. وفي جلسة 10/2/1999 أدلى النائب بطرس حرب بالآتي: «في إطار السعي لاحترام أحكام الدستور بصورة مطلقة، أؤيد ما جاء على لسان الرئيس الحسيني من أن هذا الشكل من المراسيم غير الموقعة من الوزراء المختصين يشكل مخالفة دستورية. ونأمل من الحكومة الكريمة في إطار تسوية وتصحيح المسار الدستوري في البلاد ألا تقع في هذا الخطأ مجدداً في المستقبل». فأدلى دولة الرئيس سليم الحص، بأنه «في الموضوع الذي أثاره الرئيس الحسيني في الموضوع الدستوري، معه حق في ما قاله بأن يقترن المرسوم بتوقيع الوزير المختص، لكن هذه المشاريع قديمة ولم تضعها حكومتنا». فكرر الرئيس حسين الحسيني أنه لا يستطيع أن يصوّت على مشروع مخالف للدستور، وإلا تكون سابقة خطيرة...
وفي جلسة 4/3/1998 ردّ المجلس مشروع قانون وارد بالمرسوم الرقم 10944 الرامى الى إبرام بروتوكول تعاون بين لبنان ورومانيا بشأن التعاون في حقل الأشغال، لأن هذا المشروع ينشأ عنه أعباء مالية ومترتبات مالية ولا يوجد إمضاء وزير المال. وكذلك في جلسة 25/7/2001 المتعلقة بإبرام اتفاق التعاون العلمي والتقني بين حكومة الجمهورية اللبنانية وحكومة الولايات المتحدة المكسيكية، طلب الرئيس حسين الحسيني ردّ المشروع لأنه يتضمن عبارة المؤازرة المالية، ما يعني أن له جانباً مالياً ولم يتضمن توقيع وزير المال. وقد ناقش مجلس النواب ما إذا كان ينشأ عنه مترتبات مالية، فوجد المجلس أنه لا يوجد أي التزام مالي، فأصر الرئيس الحسيني على موقفه، معتبراً أنه يكفي مجرد احتمال أن يترتب عنه أثر مالي، فردّ رئيس المجلس أنه حتى الإمكانية تقول بالمؤازرة المالية، ليس عندي اقتناع، وإلا كنت قد أحلته على اللجنة المالية. وقد سجّل الرئيس حسين الحسيني عدم دستورية هذا النص.
من خلال هذه المناقشات في مجلس النواب، يمكن أن نستخلص أن مجرد ترتّب مفاعيل مالية عن مشروع ما، فإن المرسوم الذي يقرّ هذا المشروع يجب أن يوقّعه وزير المال.

ثانياً: موقف مجلس شورى الدولة

تسنى لمجلس شورى الدولة أن نظر في مشروعية مراسيم جاءت خالية من توقيع وزير المال، بعدما أثار الطاعنون مسألة غياب توقيعه، ونعرض هذه الاجتهاد لنبني عليه موقفاً:
1 ــ في مسألة توقيع وزير المال على مرسوم استملاك: قضى مجلس شورى الدولة بأن مؤسسة كهرباء لبنان تستطيع أن تستملك لمصلحتها وأن الوزير المختص للتوقيع على مراسيم الاستملاك هو وزير الوصاية أي وزير الموارد المائية والكهربائية. وحيث إن المرسوم المطعون فيه والموقّع من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير الوصاية بالنسبة إلى الاستملاكات العائدة لمؤسسة كهرباء لبنان يكون صحيحاً، وبالتالي لا داعي لتوقيع وزير المال على هذا النوع من المراسيم (م. ش. قرار رقم 53/2003-2004 تاريخ 14/10/2003 ــ الجمعية التعاونية العائلية السكنية/ الدولة).
2 ــ في مسألة توقيع وزير المال على مراسيم تصديق التصاميم وأنظمة المدن والقرى: قضى المجلس بأن هذا المرسوم يصدر بناءً على اقتراح الوزير المعني، ولا اقتضاء بالتالي لاقترانه بتوقيع أي من وزيرَي المال والداخلية والبلديات، وينتفي بالتالي أي عيب يشوبه لهذه الجهة (م. ش. قرار رقم: 452/2006-2007 تاريخ 25/4/2007 ــ جورج هاني عزوز ورفاقه/ الدولة).
3 ــ في موضوع قبول هبة: قضى المجلس بأن المرسوم صدرَ بناءً على اقتراح وزير الثقافة كونه الوزير المعني بموضوع الهبة، علماً بأنه لا يوجد أي نص قانوني يوجب صدور المرسوم المشار إليه بناءً على اقتراح وزير المال (قرار رقم 327/2016-2017 تاريخ 13/2/2017 ــ جمعية تشجيع حماية المناظر والمواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان/ الدولة ــ وزارة الثقافة).
4 ــ في موضوع استملاك لمصلحة الجيش: إن توقيع الوزير المختص على المراسيم كالمرسوم المطعون فيه يعني توقيع الوزير الذي يناط به بصورة رئيسية أمر تطبيق أحكامه، إذ إن الوزير يتولى تطبيق القوانين والأنظمة في ما يتعلق بالأمور العائدة لإدارته وبما خص به. و«الوزير المختص» الذي يكفي توقيعه على المرسوم هو الوزير الذي يقع على عاتقه بصورة رئيسية تحضير المرسوم والإشراف على تطبيقه. وإن إغفال توقيع وزير المال على المرسوم المطعون فيه لا يؤثر في صحته وفي شرعيته طالما أنه مذيّل بتوقيع الوزير المختص بصورة رئيسية لتنفيذ مضمونه وهو وزير الدفاع الوطني الذي يقع على عاتق وزارته تأمين الاعتمادات اللازمة لدفع التعويضات لأصحاب العقارات المستملكة وفق الأصول الدستورية والقانونية التي ترعى التصرف بالأموال العمومية (م. ش. قرار رقم 339/2004-2005 تاريخ 10/3/2005 الأمير محمد أمين أرسلان/ الدولة).
5 ــ تقرير معيار الوزير المختص: في اتجاه مغايرٍ لمجلس شورى الدولة، قضى المجلس نفسه بأن وزير المال يجب أن يوقع كل المراسيم التي تترتب عليها بصورة مباشرة وحتى بصورة غير مباشرة نتائج مالية أو أعباء على الخزينة. ولهذا السبب، أقر المجلس بصحة رجوع الحكومة عن المرسوم 548 (ترقية بعض الضباط لرتبتي لواء وعميد اعتبارا من 1/1/1990)، لأنه جاء خالياً من توقيع وزير المال، رغم أنه يرتّب أعباء مالية على الدولة. (مجلس القضايا ــ مجلس شورى الدولة القرار الرقم 74 تاريخ 16/11/95 رقم المراجعة 15071/91 و4767/91 و275/95 اللواء منير محمود مرعي/ الدولة ــ مجلس الوزراء ووزارة الدفاع الوطني).
6 ــ كما عاد المجلس وفسّر معنى الوزراء المختصين الوارد في المادة 54 من الدستور، بقوله إنه لو كان صدور المرسوم بصورة عامة لا يحتاج إلا الى اقتراح وتوقيع الوزير المختص الذي يتعلق المرسوم مباشرة أو بصورة رئيسية بالوزارة التي يتناول شؤونها. ولما كان الدستور قد لحظ بصراحة في المادة 54 ضرورة أن يحمل هذا المرسوم تواقيع الوزراء المختصين أيضاً، وليس فقط الوزير المختص. بتعبير آخر، يجب أن يقترن المرسوم بتوقيع كل وزير يكون لوزارته علاقة مباشرة بالأحكام القانونية والتنظيمية التي يتضمنها المرسوم. وإن وزير المال يجب أن يوقع على كل المراسيم التي يترتّب عليها بصورة مباشرة، وحتى بصورة غير مباشرة، نتائج مالية أو أعباء على الخزينة (مجلس القضايا القرار الرقم 14/92- 93 تاريخ 19/11/1992 القاضي يوسف سعدالله الخوري/ الدولة – القاضي جوزف شاوول).
بحسب هذه الأحكام، لا يبدو واضحاً أن مجلس شورى الدولة اتخذ موقفاً موحداً من مسألة توقيع وزير المال على مراسيم صادرة عن رئيس الجمهورية، فتارةً قضى المجلس بحصر التوقيع بالوزير وفق الاختصاص العام للوزارة، وتارةً أخرى يمنح وزير المال هذا الاختصاص كلما رتّب المرسوم أعباء مالية، وتارةً ثالثة كلّما رتّب المرسوم آثاراً مالية مباشرة أو غير مباشرة.

ثالثاً: موقف هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل

ليست المرة الأولى التي يتمّ بموجبها استشارة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل في مسائل دستورية، إذ دائماً ما تلجأ السلطات إلى استشارة هذه الهيئة في مسائل دستورية، وأحياناً كانت هذه الهيئة تعطي رأياً نقدياً لرأي سبق أن اتخذه مجلس النواب (استشارة رقم 1374/1988 تاريخ 20/1/1988). وطلبت وزارة العدل من هذه الهيئة بيان الرأي في مسألة حاجة مرسوم منح أقدمية إلى توقيع وزير المال، فأبدت الهيئة بموجب الرأي الرقم 24/2018 تاريخ 3/1/2018 موقفها بأن لا حاجة إلى توقيع وزير المال، وقد علّلت رأيها عبر وضع معيار مفاده: أن الوزير الذي تعود له السلطة التنظيمية في إدارته هو المرجع المختص لتوقيع المراسيم المتعلقة بها مع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، لسببين: تحميل هذا الوزير المسؤولية السياسية، ولا سيما أمام مجلس النواب إبان ممارسة هذا الأخير صلاحياته في مراقبة الإدارة، ووجوب إعلان هذا الوزير علمه بموضوع ومضمون المرسوم على اعتباره المسؤول عن تنفيذه.
وقد عززت رأيها بقرارٍ صادر عن مجلس شورى الدولة جاء فيه: «أنه لا يوجد أي نص في الدستور أو في القوانين والأنظمة المالية والإدارية يجعل من وزير المال قيّماً ومراقباً على أعمال سائر زملائه الوزراء. ذلك أن المادة 64 القديمة من الدستور أو المادة 66 فقرتها الثانية من الدستور المعدل عام 1990 جعلت من كل وزير القيّم على شؤون وزارته المرجع الأول والأعلى في إدارته ولا تشرك معه لممارسة صلاحياته ولجعل قراراته قانونية وأصولية ونافذة وزير المال». (مجلس القضايا ــ القرار الرقم 22/91-92 تاريخ 16/12/91، القاضي منيف عويدات/ الدولة – وزارة المال).
إن رأي هيئة التشريع والاستشارات منتقد لثلاثة أسباب، الأول: أن معيار ممارسة السلطة التنظيمية لا يصحّ اعتماده أبداً لأن الوزير لا يملك سلطة تنظيمية إلا إذا فوضه بذلك المشترع صراحة. والسبب الثاني أن وزير المال مسؤول أمام مجلس النواب عن كل الشؤون المالية وليس فقط عن جباية الضرائب والعائدات، بل يُسأل أيضاً عن الموازنة العامة للدولة وصحة الإنفاق بخاصةٍ وأن موظفاً من وزارة المال يجب أن يؤشر إلزامياً على كل المقررات المالية التي يتخذها الوزراء.
والسبب الثالث الأبرز لعدم صحة رأي الهيئة هو ارتكاز رأي الهيئة إلى قرار صادر عن مجلس القضايا لا صلة له بمسألة التوقيع على المراسيم، إنما يتعلق بالطعن بقرار صادر عن وزير المال يرفض بموجبه تطبيق قرار صادر عن وزير العدل. فالحكم وفق فقرته الحكمية وحيثياته واقع في موقعه الصحيح، إلا أنه لا صلة لهذا القرار بمسألة التوقيع الإضافي لوزير المال وفق المادة 54 من الدستور. ولهذا، فلقد استندت هيئة التشريع والاستشارات إلى حكمٍ لا يسعفها في موقفها لكونه متصلاً بحالة مغايرة لتلك المعروضة أمام الهيئة.

رابعاً: خلاصة واستنتاجات

إن التوجه العام لمجلس النواب ولبعض اجتهادات مجلس شورى الدولة هو نحو تفسير أن وزير المال يكون وزيراً مختصاً لتوقيع المرسوم الذي يترتبّ عليه أعباء مالية أو أثر مالي مباشر أو غير مباشر، وأن وجود أحكام مغايرة ذكرناها أعلاه لا ينفي صحة ما أقره مجلس النواب ومجلس شورى الدولة بأكثر من حكم.
وأرى من المناسب مقاربة هذه القضية من خلال طبيعة مهمة وزارة المال كما هي محددة في قانون إنشائها وفي قانون المحاسبة العمومية، لنجد أن معيار اختصاص وزير المال في توقيع المرسوم إنما يتحقق كلما رتّب هذا المرسوم أثراً مالياً أو عبئاً مالياً كما جاء في موقف مجلس النواب وحيثيات بعض اجتهادات مجلس شورى الدولة.
وأما في موضوع مرسوم منح الأقدمية تحديداً، فإن التكييف القانوني لهذا المرسوم لا ينطبق على المعنى المحدد في المادة 47 من قانون الدفاع الوطني الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 102 تاريخ 16/9/1983، بل هو عبارة عن مصالحة ومنح حقوق مفترضة لأشخاص اعتقدوا بأن لهم حقاً حرمتهم منه الإدارة في عام 1989. وهذا ما يجعل التوصيف الحقيقي للمرسوم بأنه مرسوم تسوية أوضاع قانونية أو مصالحة على حرمان من حق يعود إلى ما قبل 28 عاماً.
ومن المبادئ المستقرة في القانون والاجتهاد الإداري، أن تسوية الأوضاع والمصالحة على المطالبات بالحقوق إنما تتمّ بالاستناد إلى قانون أو تنفيذاً لحكمٍ صادرٍ عن القضاء. وعليه، فإن مرسوم الأقدمية هو فعلياً ــ وبحسب طبيعته ــ مرسوم تسوية أوضاع ينشئ بصورة غير مباشرة تبعات مالية يجعل من الواجب أن يوقّع عليه وزير المال ويبدي رأيه من مسألة توافق هذا المرسوم مع القانون والمبادئ القانونية والدستورية. مع التذكير بأن المجلس الدستوري سبق له (القرار الرقم 2/2012 تاريخ 17/12/2012) أن أبطل قانوناً عمد بموجبه المشترع إلى ترفيع مفتشين في الأمن العام، معتبراً أن هذا القانون يخالف مبدأ فصل السلطات ويمس بصلاحيات الجهات الدستورية الأخرى التنفيذية والقضائية.

* أستاذ القانون الإداري والدستوري في الجامعة اللبنانية