مرّت القوات اللبنانية، بعد تاريخ الرابع من تشرين الثاني (تلاوة رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته من السعودية، واحتجازه في الرياض)، في واحدة من أشدّ أزماتها السياسية. الحصار الذي فُرض عليها، كـ«عقاب» على الدور الذي لعبته مع المملكة الخليجية، دفعها إلى البحث عن مخارج تنتشلها من ورطتها. لم يذهب رئيس «القوات» سمير جعجع إلى حوارٍ انتخابي مع حزب الكتائب، إلاّ بعد أن تُرك وحيداً.


«الخصومة» السياسية مع كلّ من تيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ، وهاجس «معراب» الحقيقي هو عدم القدرة على تأمين الحاصل الانتخابي في عددٍ من الدوائر، وافتقارها إلى المُرشحين الـ«أحصنة» الذين يُساعدونها لخوض الاستحقاق، كلها عوامل مهّدت طريق المبعوث القواتي، النائب فادي كرم، إلى الصيفي. شكّل لجنة ثنائية مع النائب البتروني سامر سعادة، التوّاق إلى الحفاظ على مقعده النيابي، ولو في البترون بدلاً من طرابلس، ويعتبر نجاحه معركة وجودٍ له ولتاريخ عائلته.


سيُعوّض الكتائب للقوات الأصوات
التي تنقصها في
عددٍ من الدوائر

كذلك فإنّ كرم التقى مرّات عدّة رئيس «الكتائب» النائب سامي الجميل، من دون أن يغوص الرجلان في عمق المفاوضات. في الأصل، تعتبر مصادر مركزية في حزب الكتائب أنّ «أكبر دليل على عدم جدّية المفاوضات هو هوية المُكلّف بالمفاوضات. فلو كانت هناك رغبة حقيقية في التفاهم معنا، لكان حضر الوزير ملحم رياشي أو النائب جورج عدوان». على الرغم من حذر وشكوك قيادة الصيفي في نيّات حزب القوات «البارّ»، إلا أنّ مصادر الأخير بادرت إلى الحديث بكثيرٍ من الإيجابية عن قُرب توقيع «العقد الانتخابي» بين الطرفين. السبب بسيط، بالنسبة إلى مصادر في فريق 14 آذار سابقاً: «القوات ستكون هي الرابحة من تحالف كهذا». وتشرح أنّ قيادة معراب، بتفاهمها مع حزب الكتائب، « كانت ستُعوّض خسارتها لتحالفاتها مع أطراف السلطة، التي هي جزءٌ منها، وستستعيد بعض شعبيتها وجمهورها الذي يرتاح إلى تحالف مع الكتائب، خاصة أنّ هناك قواعد مشتركة»، في حين أنّ حزب الكتائب «سيُعوّض للقوات الأصوات التي تنقصها في عددٍ من الدوائر الانتخابية، فتؤمّن الحاصل، وتفوز هي بالمقعد النيابي». ماذا عن نظرية تقسيم الأصوات والمقاعد؟ «الضعيف لا يُمكن أن يكفل الضعيف»، تقول المصادر مُضيفةً أنّ «الصحن مقسوم إلى قسمين، من الصعب التمكن من تقسيم الأصوات، خاصة في ظلّ القانون النسبي والصوت التفضيلي».
حتى الساعة، لا يزال مستبعداً تطور الحوار بين حزبَي الكتائب والقوات، لعدم تنازل الصيفي عن شرطيها: استقالة الوزراء غسان حاصباني وملحم رياشي وبيار بو عاصي من الحكومة، وتقسيم «كعكة» المقاعد الانتخابية. إلا أنّه لو تحقق التحالف، فسيكون شاملاً لكل الدوائر. يقول أحد الخبراء الانتخابيين إنّ «حضور الكتائب الشعبي أضعف من القوات، إن كان في الشمال الثالثة أو زحلة أو بعبدا أو الشوف ــ عاليه، ما يعني أنّ الأصوات التفضيلية ستؤول إلى مُرشّحي القوات. من المُمكن أن يتفاوضا حول مقعد كسروان مثلاً، حيث أصواتهما شبه متساوية، فيكون المقعد في هذا القضاء للكتائب ومقعد جبيل للقوات». أما في المتن، ملعب آل الجميّل الرئيسي، «فأيّ تحالف، يعني أنّ الكتائب سيخسر مقعداً من حصته القادر على تأمينها بقوته الذاتية».
لا توافق «الكتائب» على ما تقدّم، لأنّ «هناك مصلحة مشتركة بالتحالف، من دون أن يكون هناك غالب ومغلوب». والأمور مرتبطة «بمرونة الحزبين ورغبتهما في تبادل الأصوات والمقاعد»؛ فمثلاً، إذا تمّ الاتفاق على «أنّ مقعد بيروت الأولى يكون للنائب نديم الجميّل، والبترون لسامر سعادة، وكسروان لشاكر سلامة أو مُرشح آخر للكتائب، يُمكننا في المقابل تسليف القوات في المتن، ومساعدة مُرشحها في بعبدا حيث نملك كتلة مهمة. وفي زحلة، نحن الاثنان نستفيد، بعضنا من بعض. أما في الشوف ــ عاليه، فهناك مقعدان يُمكن تقاسمهما». ربّما من هنا تُفهم حماسة كلّ من النواب نديم الجميل وإيلي ماروني وفادي الهبر وسعادة، أكثر من أي طرف كتائبي آخر لعقد التحالف.
ولكن، لا تزال هناك مُشكلة أساسية هي أنّ «القوات لم تقطع بعد حبل السرّة مع تيار المستقبل والتيار الوطني الحر. قيادة القوات لا تنفك تُخبرنا عن انزعاجها من الأداء الحكومي، ولكن نشعر أنّها مُستعدة لتخطّي هذا الانزعاج مُقابل أن يوفر لها شركاؤها في الحُكم شبكة أمان انتخابية وسياسية». التواصل القواتي مع الكتائبيين «لا يقتصر على ثنائية كرم ــ سعادة». فقد حاولت معراب «خرق» الصيفي على أكثر من جبهة، «الأساس هي اللجنة المُعلنة، ولكن هناك أيضاً أكثر من طرف قواتي يتولّى التواصل مع شخصيات كتائبية، وتختلف نبرة الرسائل من طرف إلى آخر، بين القواتي الذي يقول إنّ حزبه مُستعد للتحالف مع الكتائب مهما كلّف الأمر، وبين قواتي يطلب حواراً من دون شروط».