لم يكن ينقص اللبنانيين إلا أن تطالهم شظايا السجال بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهم في اغترابهم العاجي على بعد ما يزيد على ثلاثة آلاف ميل. الضحية المقبلة المرجّحة للسجال مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين تنظيمه في الثاني والثالث من شباط المقبل في مدينة أبيدجان في ساحل العاج، إذ أعلنت مصادر مسؤولة في الجالية اللبنانية أن «حركة أمل تطلب من مناصريها ومن فعاليات الجالية مقاطعة المؤتمر احتجاجاً على هجوم بعض المسؤولين العونيين على الرئيس بري، على خلفية الخلاف على أزمة مرسوم ترقية الضباط وتوجّه الوزير جبران باسيل لإلغاء مديرية المغتربين التي يشغلها عادة مقرّب من بري».


في الجالية الأكبر في أفريقيا، يشكل عدد الجنوبيين الأغلبية. من هنا، نزل «تمني» المقاطعة كالسيف على رقاب الكثيرين منهم، من ضمنهم رجال أعمال ومستثمرون، كانوا حتى وقت قصير من الداعمين والمساهمين في تنظيم المؤتمر. فالحال تبدلت بأسوأ حال في أيام قليلة. التزام جزء كبير بالمقاطعة سبقه تفاعل لافت انتهت صلاحيته إثر اندلاع الخلاف بين الرئيسين، ولم تشفع مباركة بري للمؤتمر التي منحها لوفد الجالية الذي زاره قبل تثبيت عقد المؤتمر. في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، نظمت غرفة التجارة والصناعة اللبنانية في أبيدجان حفل استقبال لمستشار وزير الخارجية جبران باسيل، بشير سركيس، الذي وصل إلى ساحل العاج للتنسيق مع الغرفة والسفارة اللبنانية بشأن التحضيرات اللوجستية وتوجيه الدعوات إلى المسؤولين العاجيين، في مقدمتهم رئيس الجمهورية الحسن واتارا ووزراء الخارجية والاقتصاد والتجارة والزراعة والصناعة، وإلى فعاليات الجاليات اللبنانية في ساحل العاج وغرب أفريقيا. حضر الحفل أعضاء الغرفة وفعاليات الجالية، في مقدمهم ممثل بري في أفريقيا محمود ناصر الدين والقائم بأعمال السفارة خليل محمد. الصورة الواحدة التي جمعت ناصر الدين وسركيس وأعضاء الغرفة يبدو أنها لن تتكرر قريباً. فقد اندلع الخلاف بعيد وصول سركيس الذي لا يزال مقيماً في أبيدجان للإشراف المباشر على التحضيرات، من دون أن يتأثر بدعوات المقاطعة.
تشهد الأجواء العاجية هذه الأيام تحدياً متبادلاً بين فريق باسيل من جهة لإنجاح المؤتمر رغم مقاطعة جزء كبير من فعاليات الجالية، وبين فريق أمل التي تسعى لإلغاء المؤتمر وليس إفشاله فحسب. من يخسر التحدي؟ بحسب مصدر مسؤول في الجالية، «الخاسر الوحيد هو الجالية لناحية وحدتها الداخلية من جهة وعلاقتها مع الدولة العاجية، فضلاً عن تبدّد حلمها الذي انتظرته طويلاً بأن تلتفت الدولة اللبنانية إليها بعد طول تهميش، وتوقعها فوائد استثمارية واقتصادية متعددة من المؤتمر الذي يجمع مستثمرين من دول الاغتراب حول العالم». لكن التهديد الأبرز هو لوحدة الجالية. بحسب المصادر، لا يجد رئيس الغرفة الطبيب جوزف خوري (صاحب اقتراح تنظيم المؤتمر في أبيدجان والمساهم الرئيسي في تنظيمه) مبرراً لمقاطعة المؤتمر. وتخشى المصادر من أن إصرار زملائه من أعضاء اللجنة (هم رجال أعمال شيعة) على المقاطعة، قد يهدد الغرفة التي تحتل منصباً مهماً لدى الدولة العاجية التي منحت خوري منصب عضو في المجلس الاقتصادي الاجتماعي. بعيداً عن الغرفة، ينشط مسؤولون في «أمل» في حثّ الناس على المقاطعة، في حين أبلغ رجال أعمال لبنانيون وأصحاب مصارف (مقرّ عملهم في بيروت) الوزارة اعتذارهم عن عدم الحضور بعد أن كانوا قد أكدوا حضورهم. واللافت أن ثلاثة مصارف كانت قد تعهدت بدعم فعاليات المؤتمر مالياً، تراجعت عن تعهداتها. يتخبّط البعض من أصحاب المصلحة بحضور المؤتمر بين مصلحتهم الخاصة والهجوم الذي بدأ ضد حضور باسيل للمؤتمر وحملات التخوين التي بدأت تنتشر، متّهمة كل من سيحضر المؤتمر بأنه «خائن للرئيس بري».