لم يجِد تيار «المُستقبل» في مواجهة حالة التراجع الشعبي، أفضل من الفرصة التي قدّمتها إليه المملكة العربية السعودية بإجبار الرئيس سعد الحريري على الاستقالة من أراضيها. وإن لم تكُن هذه اللحظة قد أعادت وضع التيار إلى ما كان عليه بين عام 2005 وعام 2012، إلا أنها حُكماً شكّلت أول دعم معنوي في معركة الانتخابات النيابية التي سيخوضها الحريري في أيار المقبل، خصوصاً أنها أعادت إلى رئيس الحكومة مكانته.


فبعد أن كثُر الحديث عن المستقبل الذي ينتظر التيار بعد هذه الانتخابات، وقيل على لسان شخصيات كبيرة في داخله أو من الدائرة التي تحيط به إن الخسارة ستنال منه بنسبة مرتفعة، يستشعر المستقبليون أن ما من أحد يقف في وجه الحريري، على الرغم من كل الانتقادات التي تطاوله. مع ذلك، لا يقزّم المستقبليون دور الآخرين، ولا يقلّلون من أهمية المعركة الانتخابية التي بدأ التيار التحضير لها جدياً منذ نحو شهر.
تنقسم اللعبة الانتخابية عند «المُستقبل» إلى شقّين، كما هو الحال عند مختلف التيارات والأحزاب. شقّ تنظيمي وآخر سياسي. بالنسبة إلى الأول، أنجز المستقبليون توزيع المهمات الانتخابية على الكوادر. وللمرة الأولى فُصل عمل اللجان الانتخابية عن عمل المنسقيات، بعد أن وضعت خطّة إدارية وتنفيذية لكل المناطق التي يوجد فيها التيار، تقوم في الأساس على «استقطاب المقترعين، تبرير التحالفات وكيفية توزيع الصوت التفضيلي». وفي هذا الإطار علمت «الأخبار» أن اجتماعاً عقده المكتب السياسي للتيار الأسبوع الماضي بهدف «تكريس هذه الخطة تحضيراً للانتخابات، بالتزامن مع اجتماع آخر جمع المنسقيات في قاعة البيال من أجل توزيع المهمات». وبحسب المستقبليين، تُعَدّ «النقطتان الثانية والثالثة من الأمور الأساسية، ولا سيما أن تحضير الناخبين للتحالفات التي يُمكن أن يقوم بها التيار بالقطعة ليس أمراً عابراً».


عقد المكتب السياسي للتيار الأسبوع الماضي اجتماعاً بهدف وضع الخطة الانتخابية


قد يظن البعض أن لا حاجة إلى جهد كبير مع القاعدة المستقبلية «فمن أقنع جمهوره بتحييد الملفات الخلافية مع حزب الله وتسويق التسوية مع التيار الوطني الحر، سيكون من السهل عليه تبرير العودة إلى تحالفات قديمة مع أطراف اتهمهم المستقبل بالخيانة». لكن الأمر يغدو «أكثر صعوبة عندما يتضح أن الشارع لم يعُد يسلّم بالواقع كما هو». أما بالنسبة إلى الصوت التفضيلي، فأهميته تكمن في أنه «أحد الامتحانات الأساسية لمدى انضباط جمهور المستقبل، الذي سيميّز الملتزمين عن الجمهور العام».
حتى الساعة، يحرص رئيس الحكومة على «عدم إعطاء أي إشارة عن أي أسماء محتملة للترشّح، لأنه لا يريد أن يشعل الأجواء داخل التيار منذ الآن». وأشارت مصادر التيار إلى أن «بعض الأسماء محسومة لأنها من الثوابت كالوزير نهاد المشنوق والرئيس تمام سلام في بيروت، على أن تضم هذه الدائرة سيدة مرشحة على اللائحة». أما بالنسبة إلى كل الأسماء الأخرى المتداول بها «فأصحابها هم من يروّجون لأنفسهم»، لأن «الرئيس الحريري لا يُحبط أحداً، وهو يقابل بابتسامة ودودة كل من يطرح نفسه مرشّحاً»، غير أن كل الترشيحات «تقف عند الباب الخارجي لبيت الوسط، ليس إلا». برأي المصادر، تُعدّ هذه الانتخابات «الفاصل بين الخطّين الأبيض والأسود، لأن صورة التيار في الشارع لا تزال مبهمة، رغم التقدّم الذي حصل بعد 4 تشرين الثاني». وعدم الوضوح هذا مردّه أن «كثراً من الذين ينتقدون التيار ورئيسه، يعترفون بأن لا بديل له». يجزم هؤلاء بأن نسبة التأييد للتيار لدى الناخبين السنّة «لا تتعدى 60 في المئة، لكنها ليست أقل من 50 في المئة»، لذلك ستكون هذه المعركة ميزان تحديد وجهة الناس.
حتى الساعة، تتجه الأمور إلى انفراجة شعبية، يقول مستقبليون، ولو بوتيرة بطيئة. وإن كان الشارع منقسماً تجاه ما يفعله الحريري، على سبيل المثال إعادة إحياء وسط بيروت. فمن جهة ينظر البعض إليه بعين الرضا. ومن جهة أخرى، يراه البعض أنه «لا يقدّم ولا يؤخّر»، في حين أن «الوسطيين» يرون أن «الناس بحاجة إلى مبادرة أكثر شعبية». وماذا عن التعاطف الشعبي الذي حصده بعد الاستقالة؟ برأي المصادر، إن «الفترة الفاصلة بين الاستقالة والانتخابات تقلّل من حجم هذا الحدث، وبالتالي لن يكون وحده عنواناً كافياً لأي معركة». المشكلة الأساسية عند التيار تتعلق بعنوان المعركة أكثر من أي شيء آخر. ففي عام 2005، كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري هو عنوان الحملة، وفي عام 2009، شكلت المحكمة الدولية و7 أيار وسلاح حزب الله عناوين حملة تيار المستقبل. غير أن كل هذه الملفات لم تعُد تُصرف في الشارع الذي يحتاج إلى مشاريع خدماتية وإنمائية، وإعادة تكريس دور الطائفة السنية في قلب النظام. ولأن الرئيس الحريري حتى الآن يعجز عن تحقيق هذه العناوين، أو أقله غير قادر على تقديم الحدّ الأدنى من المطلوب شعبياً، سيركّز المستقبليون في خطابهم على شعار «الاستقرار وإقامة دولة المؤسسات». وماذا عن التمويل، ولا سيما أن منابع التمويل الخارجي قد جفّت، وخاصة من قبل المملكة العربية السعودية؟ في المبدأ، سيلجأ الرئيس الحريري إلى المرشحين المستعدّين لتمويل حملاتهم، ما يعني أن «أي شخصية لا تأتي وكيسها معها ستكون خارج السباق إلى كسب مقعد على لوائح التيار».