في تحضيره للانتخابات النيابية المقبلة، يجد النائب وليد جنبلاط نفسه في موقف حرج. لا يزال يكرّر حتى اليوم أمام من يلتقيهم أن القانون صعب ومعقّد. الصعوبة والتعقيد ينعكسان على صوغ التحالفات وآلية الترشيحات. لم يتمكّن جنبلاط حتّى الآن من بلورة تصوّر لتحالف الشوف ــ عاليه. ينتظر القوات، كما ينتظر التيار الوطني الحر. وهو غير قادر على حسم الطرف الذي سيكون إلى جانبه، إذا ما افترق الطرفان.

وممّا يكرره جنبلاط أيضاً، أنه ظنّ في البداية أن دمج قضاءي الشوف وعاليه في دائرة واحدة، سيُريحه ويتيح له الاستمرار حاكماً بأمره. لكنه يقول إن ظنّه كان خاطئاً. والقانون أثبت أن لا أحد قادر على التحكّم بمسارات الأمور. يجد نفسه أمام خسارة محتّمة، بدأت حتّى قبل فتح صناديق الاقتراع. لا يحتاج البيك لعملية فرز لقراءة تقلّص كتلته، بل بدأها في عملية الترشيح، فأحجم، حتى اللحظة، عن اختيار مرشحين موارنة على لوائحه، في انتظار ما ستؤول إليه التحالفات.

أكثر ما يزعج جنبلاط اليوم عدم الإسراع في حسم صورة التحالفات. طالب بتحالف عريض وواسع فلم يوفّق، لا في الشوف ــ عاليه، ولا في دوائر أخرى. وستكون تحالفاته على القطعة. ففي بيروت يُعلن أنه متحالف مع تيار المستقبل، ويفضّل انضمام حركة أمل وحزب الله، لكن التحالف بين التيار والحزب غير متاح. وفي البقاع الغربي عقله مع حزب الله وحركة أمل، وقلبه مع الرئيس سعد الحريري، والوئام ما بين الطرفين مفقود حتى الآن. وهذا ما يصعّب عليه حسم الجهة التي سيكون في صفّها. أما جنوباً، فيبقى جنبلاط مع موقفه الثابت مع الرئيس نبيه برّي، تاركاً المقعد الدرزي هناك للنائب أنور الخليل. في بعبدا يبدو أقرب إلى حزب الله وحركة أمل، حتى الآن، بحسب مقربين منه.


ينظر جنبلاط إلى
هذه الانتخابات على
أنها معركة إطلاق زعامة نجله تيمور




تقول مصادر الحزب الاشتراكي إن المشكلة تكمن هنا، أي في تركيب اللوائح. فإذا «قررنا أن نتحاور مع القوات نجدها جدّدت حوارها مع التيار الوطني الحر، في وقت لا يريد فيه الأخير الاتفاق معنا بسبب عدم قدرتنا على التفاهم في بعض الأمور، في الشوف وعاليه». تضاف إلى ذلك المشكلة التي نشأت مع القوات «على خلفية دعمنا للمرشح ناجي البستاني من دير القمر، ففي النهاية نحن نجد في ذلك مصلحة لنا، إذ إن البستاني قادر على الحصول على نحو 8 آلاف صوت، نفضل أن يصبّوا في لائحتنا. وإذا قرر العونيون التحالف مع الوزير طلال أرسلان، في ظل استمرار الخلاف بيننا وبين الأخير، رغم أننا سنترك له مقعداً شاغراً على لائحتنا، فسنجد صعوبة في أن نكون معاً على لائحة واحدة». أزمة التحالفات عند جنبلاط لا ترتبط حصراً بالمكوِّن المسيحي، بل ينسحب أيضاً على الرئيس سعد الحريري «فإذا قرر الحزب الإشتراكي التحالف مع المستقبل في الشوف، فكيف يمكن أن ننجح في ذلك، ولم يعد يمكن الفصل بين الحريري والعونيين؟».
مع النائب جنبلاط، ستنطلق أول دفعة للترشيحات للانتخابات النيابية في المؤتمر الصحافي الذي سيعقده الأحد المقبل في بيت الدين. وسيعلن جنبلاط في المؤتمر أسماء مرشحي الحزب و«اللقاء النيابي الديموقراطي»، التي أصبحت معروفة ومتداولة: عن الشوف مروان حمادة وتيمور وليد جنبلاط ونعمة طعمة وبلال عبد الله؛ وعن عاليه أكرم شهيب وهنري حلو؛ عن بعبدا هادي أبو الحسن؛ عن البقاع الغربي وائل أبو فاعور؛ وعن بيروت النائب السابق فيصل الصايغ، الذي أثيرت حوله بلبلة بسبب ما قيل عن «استياء دروز بيروت من ترشيحه لكونه من خارج بيروت». غير أن مصادر الحزب أشارت إلى أن «ما أثير حول الصايغ سببه أرسلان، لأنه يريد الحصول على المقعد الدرزي في بيروت وترشيح الوزير السابق مروان خير الدين».
يفضّل جنبلاط عدم حرق كل المراحل، ريثما تنجلي المفاوضات المستمرة مع المستقبل والقوات والتيار الوطني الحرّ. لذلك، ترك الرجل حتى الآن المقعد الدرزي الثاني في عاليه شاغراً، على أمل أن يشغله الوزير طلال أرسلان، إذا لم يتمسّك الأخير بالحصول على أكثر من مقعد. كذلك فإنه لم يسمّ المرشحَين الاثنين للمقعد الماروني في الشوف، وأيضاً المرشحَين الاثنين للمقعدين الماروني والأرثوذوكسي في عاليه، حيث يبقى كلّه خاضعاً للتحالفات.
سياسياً، ينظر جنبلاط إلى هذه الانتخابات على أنها معركة إطلاق زعامة نجله تيمور. ومرتكز هذه الزعامة هو اتفاق الطائف الذي يبقى ثابتاً بضمانة الرئيس نبيه برّي والرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجية. ولذلك يتخذ موقفاً إلى جانب برّي في مرسوم الأقدمية، لأن معركة ما بعد الانتخاب معركة الحفاظ على الطائف، التي ستعزز التحالف مع بري وفرنجية، مع محاولات لاستعادة الحريري إليه، «على قاعدة أن الطائف ومكوناته حالة سياسية ثابتة ومستدامة، فيما (رئيس الجمهورية) ميشال عون حالة سياسية مرحلية لست سنوات»، بحسب جنبلاطيين!