رسم قرار وزير الداخليّة والبلديات نهاد المشنوق السماح بعرض فيلم «THE POST» للمخرج الأميركي الصهيوني ستيفن سبيلبرغ، خلافاً لتوصية لجنة الرقابة، مساراً جديداً من التطبيع اللبناني «الرسمي» هذه المرّة، مع إسرائيل. وجاء كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حول عدم سكوت المقاومة من الآن وصاعداً عن محاولات التطبيع، (هي المرّة الثالثة التي يتحدّث فيها نصرالله خلال أقل من عام عن التطبيع)، ليُظَهِّرَ انقسام اللبنانيين بين فريقين ومفهومين في المواجهة مع العدوّ الإسرائيلي، وسعيه الحثيث لتطبيع العلاقات اقتصادياً وثقافيّاً وفنيّاً مع الشعوب العربية، وخصوصاً في دول الطوق، تمهيداً لمواكبة «صفقة القرن» الإسرائيلية ــ الأميركية ــ العربية.


لا نقاش في كون سبيلبرغ، أحد أعمدة صناعة السينما الأميركية وأبرز مخرجي العقود الثلاثة الأخيرة. إلّا أن صاحب فيلم «JAWS»، بحسب وثائق ويكيليكس، تبرّع بمبلغ مليون دولار لمساعدة من سماهم «المستوطنين المهجّرين في شمال إسرائيل» خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموّز وآب 2006. ولا ينفك المخرج الشهير يكرّر استعداده للموت من أجل إسرائيل في مقابلات عدّة، ولا سيّما بعد الحملات التي شُنت عليه من اللوبيات اليهودية في أميركا، على خلفيّة «عدم دعمه المطلق لإسرائيل» في فيلمه الشهير «ميونخ» في 2005، حتى عاد خانعاً لاسترضاء مراكز الضغط ودوائر النفوذ الصهيوني في المنظومة الأميركية بمواقف علنية تؤيّد إسرائيل. ومع ذلك، عرضت الصالات اللبنانية أكثر من فيلم لسبيلبرغ منذ 2006، وحتى بعد إعلان الجامعة العربية وضع اسمه على القائمة السوداء في 2010، في تقصير وإهمال فاضحين، يستلزمان، على الأقل، إخضاع الجهاز الرقابي للمساءلة.
يستند منطق المدافعين عن قرار المشنوق، في العلن، إلى ذرائع عدة، أبرزها عدم القدرة على مقاطعة كل داعمي إسرائيل، لأن هؤلاء يهيمنون على كلّ شيء، من السينما إلى التكنولوجيا إلى الاقتصاد والمصارف. ثانيتها، أن منع الفيلم يُظهر لبنان بلداً منغلقاً رجعيّاً لا يحترم الحريّات، ويمارس الرقابة على الأعمال السينمائية العالمية. ويتعمّد هؤلاء الإيحاء بأن كلّ من يدعو إلى المقاطعة يحكمه الجهل والتخلّف، وكأن بين اللبنانيين فئتين، فئة مثقّفة ارتقت لتلقّف ثقافة الغرب وعلومه وفنّه، وفئة «متخلّفة» لا تزال تتخبّط في جهل الماضي. أمّا في السرّ، فتقبع ثالثة الذرائع وأهمها، وهي الكامنة حقيقةً خلف قرار وزير الداخليّة، الذي نفّذ قرار رئيسي الجمهورية ميشال عون وسعد الحريري وليس قراراً ذاتيّاً منه. فالسلطة الممثّلة بالرئيسين تخشى أن يؤثّر منع الفيلم على «صورة لبنان في الخارج» في هذا الوقت تحديداً، حيث تنتظر «منحاً» وأموالاً من المانحين في ثلاثة مؤتمرات دولية: روما 2 المخصص لدعم الجيش اللبناني، باريس 4 المخصّص لدعم الاقتصاد، ومؤتمر بروكسيل المخصص لمسألة النازحين السوريين. فهل ترتبط المنح «المفترضة» بموقف لبنان من إسرائيل أم من التطبيع؟
وهنا، يفيد عرض بعض المعطيات والتساؤلات، طالما أن الجدل حول التطبيع، إذا ما استمر التعاطي الرسمي مع هذه المسألة على حاله، سيكون عنواناً خلافيّاً ومفصليّاً في المرحلة المقبلة.
أوّلاً، تناسى دعاة عرض الفيلم أن الجامعة العربية اتخذت قرارها، بناءً على فعلٍ ارتكبه سبيلبرغ بحقّ لبنان، كل لبنان. فلنتخيّل مثلاً، أن ألمانيا كانت تشنّ حرباً على فرنسا وارتكبت مجازر بحق الفرنسيين ودمّرت البنى التحتية الفرنسية، وأقدم مخرج بريطاني على التبرّع لـ«مهجّرين ألمان» بمبلغ مالي دعماً لهم، فهل يناقش الفرنسيون بعدها إذا ما كانت أعمال هذا المخرج ستجد مكاناً لها في بلادهم؟ أم أنه سيتحوّل إلى عدوّ للشعب الفرنسي، كل الشعب؟ وبإسقاط المثل على الحالة اللبنانية، فإنه إمّا أن إسرائيل شنّت عدواناً على جزء من اللبنانيين ولم تعتدِ على الجزء الآخر، وبات يتصرّف كأنه غير معني بالحرب، أو أن اللبنانيين من دون هويّة وطنية واحدة، وهذا يتطلّب جرأةً للاعتراف به إن كان صحيحاً، أو إثباتاً للعكس إن كان الشعور الوطني يحرّك اللبنانيين بمعزلٍ عن هويّاتهم الضيّقة وآرائهم السياسية، علماً بأن القانون اللبناني واضح لجهة التأكيد على أن للبنان عدوّاً واحداً هو إسرائيل.
ثمّ من قال للحريصين على «صورة لبنان»، إن المقاطعة محصورة بالشرقيين أو بـ«جماعة الممانعة والمقاومة»؟ مئات الآلاف من الأميركيين يقاطعون إسرائيل، وبينهم مئات المثقفين والمخرجين والممثلين، فضلاً عن أن إسرائيل تصنّف حملات المقاطعة ضدّها، وخصوصاً في أوروبا، من الأخطار الاستراتيجية عليها، والعديد من الدول الأوروبية تقاطع المنتجات التي تنتجها المستوطنات اليهودية في فلسطين. وقد نجحت حملات المقاطعة في إقناع عشرات الفنانين والرياضيين بإلغاء حفلات لهم في إسرائيل أو المشاركة في أعمال مشتركة مع إسرائيليين، لمجرّد القول إن إسرائيل قاتلة أطفال وتحتلّ أرضاً هي ملكٌ لشعب آخر.
وكان الأجدر بالحريصين على صورة لبنان، الدفاع عن قرار عدم عرض أفلام سبيلبرغ في المحافل الدولية، بدل الارتعاد خوفاً منها. «لبنان، بلد الحريّات والفن و... يقاطع سبيلبرغ لأنه دعم عدوّ لبنان»، موقف سهل التسويق ويعطي لبنان مكاناً أفضل على الخريطة الدوليّة في دفاعه عن حقوقه ضدّ أعدائه، ويحرج سبيلبرغ وغيره من المخرجين، طالما أن هؤلاء يخضعون للضغوط ويخشون على سمعتهم في العالم. ألا يستطيع لبنان «النموذج» مواجهة إسرائيل «النموذج» أيضاً؟ أم أن حكاية الانفتاح و«صلة الوصل بين الشرق والغرب» هي «عنتريات» ليس أكثر؟
بدل خوض وزارة الخارجية بحملة إعلامية دبلوماسية لتسويق الموقف اللبناني «الجامع» حول سبب مقاطعة أعمال سبيلبرغ، كان وزير الخارجية جبران باسيل «يؤنّب» الوزير علي قانصو خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، بسبب «تجرئه» على انتقاد قرار المشنوق، محاولاً إقناع قانصو بعدم «تجريصنا» أمام الغرب.
موقف باسيل، الذي لم يلقَ مواجهةً من وزيري حزب الله في الحكومة، استدعى مقطعاً من خطاب نصرالله ردّ فيه على القرار، ومشاركةً من رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أمس في «اللقاء الوطني العام رفضاً لمحاولات التطبيع مع إسرائيل» للردّ على هذه المواقف. وباسيل، الذي أطلق خلال مقابلته مع الميادين، كلاماً جديداً حول نظرة لبنان لإسرائيل، مجاناً، على الأقل منذ اتفاق الطائف، لم يوضّح، أو لم يعتذر عن هذا الموقف، وهو وزير خارجية يمثّل كلّ اللبنانيين، لا آراءه الشخصيّة «إيديولوجية» كانت أو «براغماتية»، تحوّل أخيراً الى مرجع يستند إليه دعاة التطبيع والسلام مع إسرائيل، مثل فارس سعيد.
النّقاش الذي بدأ في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة لن ينتهي هناك، فجلسة الحكومة المقبلة على موعد مع مواقف مختلفة لوزيري حزب الله، بما يشير إلى نيّة المقاومة الوقوف بوجه مسلسل «التطبيع على الناعم»، الذي بدأ في البلاد منذ فترة. والذين يتّهمون الحزب باحتكار قرار الحرب مع إسرائيل، ليس بمقدورهم احتكار قرار السلم مع أعداء لبنان، أعداء العرب.