تداعيات أزمة «مرسوم الأقدمية» المندلعة بين رئيسي الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري امتدت إلى انتخابات مجلس إدارة صندوق الضمان. ففيما كانت هيئات أصحاب العمل والعمال على وشك إنجاز انتخاب مندوبيها إلى مجلس الادارة، عمل التيار الوطني الحر، بالتنسيق مع تيار «المستقبل»، على تطيير الانتخابات.


فقد شعر الأول بأنه يتعرّض لعملية إقصاء من المجلس على يد حركة أمل، سواء في حصّته المفترضة من المقاعد المسيحية الـ13 (من أصل 26 عضواً يتألف منهم مجلس الإدارة)، أو في إلغاء أي تمثيل عمالي له، وأن عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها لا يتعدّى الثلاثة. ويعني تطيير الانتخابات رفع الملف إلى مستوى سياسي، أي العمل على تعيين لجنة مؤقتة للضمان يضمن فيها التيار حصّة أساسية من المقاعد المسيحية ورئاسة مجلس الإدارة.
وقد كان مقرّراً أن تلتئم هيئات نقابات التجار عند الحادية عشرة من صباح أمس لانتخاب مندوبَين اثنين إلى مجلس إدارة الضمان، وأن تقوم جمعية الصناعيين بالأمر نفسه عند الثالثة من بعد الظهر، على أن يعقد الاتحاد العمالي العام جلسة لمجلسه التنفيذي ظهر اليوم. لكن مجريات الأحداث دفعت المسار في اتجاه مختلف تماماً. ففي اليومين الماضيين، كان هناك تركيز على كيفية تقسيم الأعضاء العشرة الذين ينتخبهم الاتحاد العمالي العام إلى مجلس إدارة الضمان. وهؤلاء، في المجلس الحالي، ينقسمون الى خمسة مقاعد للمسلمين تستحوذ عليها حركة أمل وحزب الله وتيار المستقبل، وخمسة مسيحيين من حصة القوات اللبنانية والحزب السوري القومي الاجتماعي وحركة أمل. فيما لا حصة للتيار الوطني الحر في ممثلي العمال. وهذا ما كان يسعى إلى تغييره عبر الحصول على ثلاثة من المقاعد المسيحية الخمسة، وهو ما وضعت عليه أمل «فيتو» بحجة أن التيار لا يملك ثقلاً وازناً في النقابات العمّالية، و«لا وجود له في الاتحاد العمالي العام».


عملت أمل للحصول على 14 مقعداً ما يعطيها التأثير الأكبر في انتخاب رئيس مجلس الإدارة


تسرّبت معطيات عن اتفاق على توزيع مقاعد العمال في مجلس الضمان على النحو الآتي: مقعدان للقوات (جورج علم وأسد خوري)، مقعد لرئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر (قريب من أمل)، مقعد للمردة (أنطون أنطون)، مقعد للحزب القومي (بطرس سعادة)، الأمر الذي أثار حفيظة التيار الوطني الحر. كما أدى اقتصار الأسماء المطروحة على الطائفة المارونية الى اعتراض الوزير ميشال فرعون لدى قيادة الاتحاد العمالي على غياب التمثيل كاثوليكي.
وزاد الطين بلّة لدى التيار الوطني الحر أن حركة أمل كانت تعمل على ضمان الحصول على 14 مقعداً في المجلس، ما يعطيها التأثير الأكبر في انتخاب رئيس مجلس إدارة الضمان (العرف يقضي بأن يكون مسيحياً من بين ممثلي الدولة)، وذلك عبر:
1ــــ الاستحواذ على مقاعد العمال العشرة (السيطرة في الاتحاد العمالي العام تعود للاتحادات المحسوبة على أمل، وبالتالي فإن الاتحادات تخضع لها من دون نقاش أياً يكن التوجّه السياسي لممثليها).
2ــــ الفوز بمقعدين من الـ 10 المخصّصة لأصحاب العمل. وقد أجريت اتصالات لضمان فوز أمل بواحد من المقعدين اللذين تسميهما جمعية الصناعيين.
3ـــ مندوب المصارف، أياً يكن، سواء الأمين العام للجمعية مكرم صادر أو غيره، لن يقف في وجه خيارات أمل في مجلس الإدارة.
4ــــ تسميتها عضوين من أصل 6 مقاعد مخصصة لممثلي الدولة في مجلس الادارة.
وبحسب مصادر مطلعة في وزارة العمل، فإن اتصالات على أعلى المستويات بين التيار الوطني الحر وتيار «المستقبل» أدت الى الايعاز الى وزير العمل محمد كبارة بالعمل على تأجيل الانتخابات. وبالفعل، أجرت الدوائر المعنية في الوزارة اتصالات بكل هيئات أصحاب العمل وأبلغتها بأن الانتخابات باتت في حكم المؤجلة، وأن الوزارة لن ترسل مندوبين لحضورها، وأي انتخابات من دون هؤلاء لن تكون قانونية ولا يُعتدّ بها.
وتشير المصادر إلى أن المخرج من هذه الأزمة لتعيين مجلس ضمان متوازن طائفياً وسياسياً ومناطقياً وقطاعياً، يتطلب رفع الملف إلى مجلس الوزراء لتعيين لجنة مؤقتة تتولى أعمال المجلس. علماً أن هناك مشروع اقتراح في مجلس النواب أحاله الوزير محمد فنيش عندما كان يتولى وزارة العمل، ونال موافقة الحكومة، يتضمن خفض عدد أعضاء مجلس الادارة. ويحظى هذا المشروع بدعم الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري بحجة أن الخفض يجعل المجلس أكثر انتاجية. علماً أنه يقضي على جوهر فكرة المجالس الثلاثية، ويلغي أفق توسيع مظلة التمثيل القطاعي في مجلس الإدارة في اتجاه إدخال الهيئات الزراعية وغيرها من الفئات، فضلاً عن أنه يمنح مجموعة صغيرة، معينة سياسياً، القدرة على السيطرة على الضمان، بما فيه من تقديمات تعني ثلث اللبنانيين وتقديماتهم الصحية وتعويضاتهم العائلية وتعويضات نهاية خدمتهم.




«تسويات» ما قبل الارجاء

قالت مصادر مطلعة إن التيار الوطني الحرّ، قبل تأجيل انتخابات مجلس إدارة الضمان، حاول الحؤول دون فوز أمل بواحد من مقعدي جمعية الصناعيين، لكن «لم تكن هناك رغبة صناعية بفتح مشكل مع الرئيس نبيه بري، ما دفع الصناعيين إلى البحث عن حل وسط يقضي باستبدال الممثل الحالي (غازي يحيى ـــ أمل). وقد وافقت أمل على الطرح وسمّت خليل شرّي وأحمد جابر (مدير دار بلال للنشر). وعلمت «الأخبار» أن الرئيس نبيه بري أعطى توجيهاته لمنح مقعد للحزب الاشتراكي في الاتحاد العمالي العام (سليمان حمدان)، رافضاً التنازل عن أي مقعد آخر، سواء من مقاعد العمال أو أصحاب العمل.
وفي موازاة ذلك، كان التيار الوطني الحر، قبل إلغاء الانتخابات، في صدد انتزاع المقعد الذي تسميه نقابات التجار من القوات اللبنانية. وبحسب مطلعين، كان هناك توافق على تسمية إيلي شلهوب (قوات) ممثلاً عن تجار زحلة، والأمين العام لجمعية تجار بيروت منير طبارة (مستقبل)، إلا أن التطورات في الاتحاد العمالي العام وفي جمعية الصناعيين دفعت التيار العوني إلى تسمية مرشح آخر من النقابات التجارية في المناطق.