نسبة الذين يتعاملون بجدّية مع الانتخابات النيابية ليست كبيرة. الحماسة الانتخابية في أدنى مستوياتها، مقارنةً مع دورات سابقة، آخرها في 2009. وعلى الرغم من إقرار قانونٍ جديد، وتحديد تاريخ الاستحقاق في 6 أيار 2018، وانطلاق العمل الجدّي للماكينات الانتخابية، وتوقيع الرئيس ميشال عون مرسوم الهيئات الناخبة، إلا أنّ القسم الأكبر من الرأي العام لا يزال يسأل إن كانت الانتخابات ستجرى في موعدها أو لا.


حتى المسؤولون يجدون أنفسهم مُضطرين في كلّ مرّة إلى التأكيد على حتمية إجراء الانتخابات في 6 أيار، وأنّه لن يكون هناك تمديد أو إلغاء للاستحقاق، علماً بأنّ من المفترض أن يكونوا قد تخطوا هذه المرحلة، وانتقلوا إلى حسم تحالفاتهم واختيار المُرشحين في الدوائر. هذه التأكيدات، و«الاحتفاء» بتوقيع مرسوم الهيئات، كما لو أنّه لم يكن إجراء متوقعاً، يُعززان الشكوك لدى الناخبين. يُضاف إلى ذلك، أنّه حتى الآن لم يظهر بعد من هم الحلفاء، وأي من القوى السياسية ستتواجه في الانتخابات. التحالف الوحيد الثابت، هو بين قوى 8 آذار، من دون التيار الوطني الحرّ. خلاف ذلك، يقوم كلّ طرف بدراسة أين تكمن مصلحته الانتخابية، ويتريثون في إعلان تحالفاتهم، لأسباب شتّى.
أقلّ من أربعة أشهر تفصل لبنان عن إجراء الانتخابات النيابية، ولا تزال التحالفات غير واضحة. «لم تكن هذه الحال سابقاً»، يقول عددٌ من السياسيين. ففي 2009، مثلاً، «بانت الأمور قبل أكثر من ثلاثة أشهر. حتى إنّ حركة المرشحين كانت أنشط من الآن». السبب الأساسي لهذا التبدّل هو «غياب الاصطفاف السياسي الحادّ، الذي كان عنواناً أساسياً للمعركة السابقة». وحلّ مكان انقسام 14 و8 آذار، الخلافات داخل الفريق الواحد: التيار الوطني الحر ــ حركة أمل؛ التيار الوطني الحر ــ تيار المردة؛ تيار المستقبل ــ القوات اللبنانية؛ تيار المستقبل ــ حزب الكتائب؛ القوات اللبنانية ــ حزب الكتائب... الصراع بين هذه القوى، يوحي كما لو أنّهم كانوا «مُجبرين» في المرحلة السابقة على التحالف، وتحرّروا فجأةً. عدم وجود اصطفاف سياسي، «دفع معظم الأحزاب والشخصيات إلى دراسة مصلحتها، وعدد المقاعد التي باستطاعتها تحصيلها. نبني تحالفاتنا بناءً على مصلحتنا». الطرف الوحيد الذي يُغرّد خارج هذا السرب، «هو ثنائي حزب الله وحركة أمل اللذين لديهما استراتيجية مختلفة، وهي تمسكهما بتحالفات سياسية. القوى الأخرى تهتم بأحجامها». بعد تأكيد التحالفات، يُصبح بالإمكان حسم المُرشحين، «باستثناء الشخصيات القوية والأساسية التي لا تتأثر بأي تحالف»، حينها ستأخذ المعركة طابعاً أكثر جدّية.
قصة غياب الاصطفاف السياسي تمثّل دوراً أساسياً، إلا أنّها ليست السبب الوحيد أمام التأخر في إعلان التحالفات. النسبية وفق الصوت التفضيلي، قانونٌ جديد يختبره اللبنانيون للمرّة الأولى، «لا تزال الماكينات الحزبية تدرسه، وقسمٌ كبير من السياسيين والناخبين لم يفهموه تماماً. يؤثر ذلك على التحالفات». أما العائق الثالث، فهو «الشحّ» في المال الانتخابي، «كلّ الماكينات الكُبرى تُريد أن تُقنّن في الصرف». حتى المُرشحون المتموّلون، الذين سيتم الاعتماد عليهم لدى معظم الأحزاب، «لن يبدأوا الدفع منذ الآن، بل سينتظرون اقتراب تاريخ الانتخابات». والسبب الأخير الذي ينعكس سلباً على التحالفات، هو «تبلور موقف رئيس الحكومة سعد الحريري. ماذا يريد؟ السعودية تريده أن يكون في موقعٍ ما، إلى جانب القوات اللبنانية وحزب الكتائب، وطلبت منه عدم محاربة أصدقائها في لبنان كالوزير السابق أشرف ريفي وحتى التحالف معه». أما الحريري، إذا تُرك الخيار له، فإنه «يُفضّل التحالف مع التيار الوطني الحر». يعيش الحريري نزاعاً داخلياً، «لذلك يعتبر أنّ الحلّ الأمثل هو في التحالف مع الجميع. هدفه من الخلطة إمرار تحالفه مع الرئيس ميشال عون، الأمر الذي لن تقبل به السعودية».