«إنها بمثابة موسيقى في أذني» (music to my ears) قال أمس دبلوماسي غربي، في تعليق له، خلال جلسة خاصة، على الاحتقان القائم، والواعد مع الأسف بالتعاظم، بين حليفَي حزب الله الأساسيين في لبنان. فالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وكندا وأوستراليا لم تُخْفِ يوماً مناهضتها لحزب الله وتصميمها على إضعافه، مستخدمةً شتى أنواع الأسلحة؛ في السياسة، من خلال اتهامه بإنشاء دولة ضمن الدولة، ولعلاقته مع إيران ودوره في سوريا والعراق واليمن؛ والقانون، من خلال اتهامه بالضلوع في جرائم إرهابية وملاحقة من يُدّعى أنهم منتمون إليه؛ والاقتصاد، من خلال الضغط على المصارف لمنع تمويل المقاومة؛ والإعلام، من خلال تصنيف الحزب إرهابياً شريراً وتجميل صورة إسرائيل بين العرب.


وها قد أتاهم الصدام الحاصل بين الرئيس نبيه بري وحركة أمل من جهة، والرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر ورئيسه من جهة ثانية، على طبق من ذهب. فلا شك أن المقاومة هي الخاسر الأكبر؛ فإذا اختارت الاصطفاف مع أي من الطرفين، قد يعاديها الطرف المقابل ويُدعى الى الانضمام، بشكل مباشر أو غير مباشر، الى الحملات الدولية الغربية الهادفة إلى القضاء عليها. وبالتالي، لا بد من العمل الجدي على حل النزاع القائم. وفي هذا الإطار، لا يبدو أن محاولات الوزير الياس بوصعب والعميد شامل روكز تلقّت آذاناً صاغية في أوساط العونيين، كما لا يبدو أن هناك استجابة للمناشدات بتهدئة غضب مناصري حركة أمل.


الخلاف هو نفسه الذي طرح على طاولة مؤتمر لوزان قبل 34 سنة


المشكلة ليست بسيطة، وتعود جذورها الى الحقبة الماضية. فالخلاف ليس على توقيع أو عدم توقيع وزير على مرسوم، ولا على مسألة محددة وعابرة، بل يبدو الخلاف في أساس بنية الدولة الطائفية في لبنان، فمنذ 34 سنة حتى اليوم، يبدو أن بعض الأمور بقيت على حالها في هذا الإطار. في 12 آذار 1984، طرح نبيه بري ووليد جنبلاط ورقة عمل خلال مؤتمر الحوار اللبناني في لوزان تضمنت انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة، وانتخاب النواب على أساس التمثيل النسبي غير الطائفي، وانتخاب رئيس مجلس الوزراء من قبل مجلس النواب وإقرار مبدأ الاستفتاء الشعبي واستحداث مجلس شيوخ ينتخب أعضاؤه على أساس طائفي. جاء ذلك بعد سبعة أيام على صدور بيان عن مجلس الوزراء أعلن فيه إلغاء اتفاق 17 أيار اللبناني الإسرائيلي. وكانت قوات المارينز الأميركية قد انسحبت من لبنان في شباط 1984 بعد نسف مقر قيادتها في تشرين الأول من العام السابق.
رفضت "الجبهة اللبنانية"، بقيادة بيار الجميل وكميل شمعون، هذه الورقة وقدمت في المقابل مشروع تحويل لبنان الى جمهورية اتحادية تضم أربع ولايات. لكن ذلك الانقسام بين "الغربية" و«الشرقية" لا يعني تفسير الصراع على أنه بين من أراد فعلاً إلغاء الطائفية السياسية وبين من يتمسك بها، بل إن أساس الانقسام كان السعي الى تكبير الحصص في مشروع دولة ما بعد الحرب.
مرت سنوات، تخللها صدور اتفاق الطائف والمرحلة الحريرية التي تميزت بحكم الترويكا بإشراف ومتابعة سورية ومباركة فرنسية أميركية سعودية. لكن التطورات الإقليمية والدولية استدعت انهيار نظام الشراكة والعودة منذ 2005 الى ما قبل الطائف، مع الإصرار على الإبقاء عليه سبيلاً لتنظيم الخلاف والحفاظ على الاستقرار الأمني.
وها نحن وصلنا الى مفترق طرق، وخصوصاً بعد تراجع النفوذ السوري ووصول ميشال عون الى سدة الرئاسة ومحافظة نبيه بري ووليد جنبلاط على موقعيهما في النظام السياسي، فلا عجب بعودة ظهور خلافات شبيهة بالتي كانت سائدة منذ 34 سنة وكأن شيئاً لم يكن.
ما اتفق عليه في الطائف كان بغياب ميشال عون (لا بل برفضه الصارخ له يومها)، وتبين أنه لا يصلح لبناء دولة، بل تكمن أهميته (وأهمية تجديد تثبيته اليوم) في وقف إطلاق النار وإلغاء المعابر ومحاولة تنظيم المحاصصة الطائفية.
إن الخلاف القائم اليوم بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب هو خلاف على تنظيم المحاصصة الطائفية، ولو سعى البعض الى إخراجه كخلاف قانوني/ دستوري أو سياسي/ إجرائي. وبما أنه خلاف طائفي، يستسهل للأسف تحريك الشارع وتنظيم الاصطفاف. ويبدو أن كل أنواع الاتهامات والتعابير الهجومية التي يطلقها المنقسمون بحق خصومهم تخفي أساس الخلاف. فالموضوع هو نفسه الموضوع الذي طرح على طاولة مؤتمر لوزان قبل 34 سنة.
عدنا إذاً الى الاصطفاف القديم على مشارف الانتخابات النيابية (حتى لو أصبحت مهددة اليوم)، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام زيادة الاحتقان والشحن الطائفي وكل أنواع التمييز والكراهية بين اللبنانيين.
وبحزن شديد، يبدو أن الموسيقى تعلو، والسفارات تعمل، وأصدقاء إسرائيل يرقصون، والآتي أعظم.