في ظلّ الانقسام الحاد الذي خلّفه الفيديو المُسرّب لوزير الخارجية جبران باسيل، اعتمد رئيس الحكومة سعد الحريري أسلوب «الحياد الإيجابي»، من وجهة نظره، إذ يرى أنه سيطرَح له ثماراً سياسية في الداخل والخارج.


تعليقاً على ما جرى في اليومين الماضيين، غرّد الحريري مُعتبراً أن «كرامة الرئيسين ميشال عون عون ونبيه برّي من كرامة جميع اللبنانيين، أفراداً ومجموعات وطوائف». بهذا يكون رئيس الحكومة قدّ قدّم نفسه وكأنه على مسافة واحدة من عين التينة وبعبدا. لكن الحريري لا يفعل ذلك من منطلق وطني جامع، بل من زاوية مصلحته السياسية الضيقة، إذ إنه أبرز المستفيدين من الأزمة المندلعة كيفما أُديرت. لكن كيف؟
بالنسبة إلى تيار المُستقبل «اختار الحريري أن يقدّم نفسه كوسيط بين عين التينة وبعبدا. وهذه نقطة تسجّل له، لأنه يلعب دوراً جامعاً بين الأفرقاء». هذا الأمر لا يربّحه على المستوى الوطني، وحسب، «إذا اعتبرنا أن هناك مكسباً حقيقياً، لكن الأهم من ذلك هو أن طرح رئيس الحكومة نفسه كباحث عن حلّ للأزمة، إنما يجعله في موقع موازٍ للرئاستين الأولى والثانية، بعد أن صُوّر منذ بداية العهد كلاعب غير أساسي».


ما يجري هو حالة عداء مع الصورة المستقبلية التي يمثّلها باسيل

لكن خلف هذا الرأي يختبئ تفسير آخر لمعنى الربح الذي يتحدّث عنه المُستقبليون، الذين يشكّون في أن يكون كلام باسيل عفوياً، خصوصاً أنه قيل في لقاء شعبي يضمّ أكثر من تيار وحزب لبناني. وبالتالي «يُدرك وزير الخارجية أن رسالته هذه ستصل إلى من يعنيهم الأمر». ويطرح مسؤولون في تيار الحريري سؤالاً عمّا إذا كانت رسالة باسيل «رخصة مرور إلى المملكة العربية السعودية، عبر الإيحاء بأننا لسنا على تحالف وثيق مع حليف حليفنا، أي حزب الله، وأننا مستعدون لفكّ هذا التحالف حتى لو قرر الحزب أن يأخذ طرفاً إلى جانب رئيس المجلس؟ وهل لهذا الكلام علاقة بالتفاهم مع الرئيس الحريري؟». يجيب المستقبليون أنفسهم بأن «باسيل كان يُدرك تماماً أن الكلام الذي قاله سيصل إلى مسامع الجميع، وأنه بذلك سيستعدي جمهور حركة أمل وحزب الله، وأن الأخير لا يُمكن أن يقف متفرّجاً إذا ما وصلت الأمور إلى هذه النقطة». من وجهة نظرهم «ربما يحاول باسيل تحويل تحالفه الطارئ مع تيار المستقبل إلى تحالف ثابت على حساب تحالفه مع الحزب».
أين الرئيس الحريري من كلّ ذلك؟ يسود اعتقاد بأن ما حصل يُشكّل فرصة أمام الأخير لتقديم نفسه كزعيم فوق الطوائف «يسعى وحده للحفاظ على الاستقرار»، ويعزّز دوره كحام له.
غير أن الجائزة «الحرزانة» التي سيقطِفها الحريري، حسب ما تشير أوساط سياسية، هي في استغلال الأزمة بين التيار الوطني الحر من جهة، وحركة أمل وحزب الله من جهة أخرى، واستخدامها حجّة أمام المملكة العربية السعودية لتثبيت وجهة نظره القديمة بأن «التحالف مع ميشال عون فيه إفادة على المدى البعيد». سيدّعي الحريري أن النهج الذي اتبعه، خصوصاً أنه كان مسؤولاً بشكل غير مباشر عن التصعيد حين وقّع على مرسوم منح الأقدمية لضباط دورة عون، أسهم في وضع أول حجر على طريق فكّ الارتباط بين العونيين وحزب الله وحركة أمل، وأن فكّ هذا الارتباط سيكون لمصلحة تعزيز التحالف بين الوطني الحر والمستقبل ومعهما رئاسة الجمهورية، وأنه بنقل الصراع مع بيئته وجمهوره إلى مكان آخر، سيتيح له إعادة إنتاج تسوية تراها المملكة أنها «على هواها».