قبل أسابيع، أوقفت المصارف إعطاء موافقات على القروض السكنية المدعومة مكتفية بتقديم تبرير بسيط لهذه الخطوة المفاجئة يضع الكرة في ملعب مصرف لبنان «الذي طلب إيقافها». وعلى غرابة هذا القرار الذي يأتي بعد شهرين على تخصيص مصرف لبنان مبلغ 750 مليار ليرة لدعم القروض السكنية، تضاربت المعطيات المسرّبة بين اضطرار «المركزي» للقيام بتجميد «تقني» بهدف إعادة النظر بالمبالغ المدعومة وتحديد سقوف لها، وبين وجود قرار بوقف القروض المدعومة نهائياً.


غموض الصورة أثار بلبلة واسعة في السوق، لا سيما أن عدداً كبيراً من طلبات القروض لدى المصارف وصل إلى مراحل متقدمة ثم توقف فجأة. فما هي حقيقة هذا التوقف وما هي أهدافه ولمصلحة من وكيف سينتهي؟

آلية جديدة

علمت «الأخبار» من مصادر في مصرف لبنان، أن كل الجدل في شأن وقف القروض السكنية المدعومة سينتهي قبل نهاية الأسبوع الجاري. فالتعميم المتوقع صدوره لإعادة العمل بالقروض السكنية المدعومة، تأخّر بسبب سفر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي عاد أمس، ويتوقع أن يُصدر التعميم قبل السبت المقبل. ويتضمن التعميم تعديلاً في آلية دعم القروض السكنية في اتجاه تشديد الرقابة على آلية منح القروض والمستفيدين منها، على أن يُسهم في تكريس مسؤولية المصارف تجاه منح القروض، إضافة إلى رفع أسعار الفائدة نصف نقطة مئوية، وضخّ 750 مليار ليرة للقروض السكنية المدعومة، وتحديد «كوتا» لهذه القروض وتوزيعها على المصارف للمرحلة المقبلة.
الآلية الجديدة، وفق المصادر، تنصّ على أن طلبات القروض الجديدة ستموّل مباشرة من سيولة المصارف، فيما يقدم مصرف لبنان الدعم بعد موافقته على كل قرض. بمعنى آخر، تختلف الآلية الجديدة عما كان معمول فيه سابقاً حين كان «المركزي» يمنح المصارف قروضاً بفائدة 1% مقابل إقراضها في السوق بفائدة 3.75%، علماً بأن عقود القرض الموقعة بين الزبون والمصرف قبل صدور التعميم الجديد تخضع للآلية السابقة وسيوافق مصرف لبنان على تمويلها. (يجب التمييز بين آليات القروض السكنية المدعومة. فهناك قرض مدعوم بواسطة قروض يعطيها مصرف لبنان للمصارف بفائدة 1%، وهناك قروض كانت مدعومة بواسطة الإعفاء من الاحتياط الالزامي وقد ألغاها مصرف لبنان، وهناك قروض مدعومة أيضاً بموجب بروتوكولات مثل المؤسسة العامة للإسكان والقوى الأمنية والقضاة...).

فضائح قروض السكن

خلفيات التشدّد في الرقابة وإعادة توزيع المسؤوليات، تتصل بفضيحة تكشّفت في محفظة القروض السكنية المدعومة. فقد تبيّن لمصرف لبنان أنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة، استهلكت المصارف (أقرضت في السوق) نحو 1500 مليار ليرة من المبالغ المدعومة واستنفدت كل المبالغ المخصصة للدعم السكني خلال فترة قياسية. وقد اثار ذلك شبهات وشكّل مفاجأة لمصرف لبنان الذي انهالت عليه طلبات القروض لدراستها وإعطاء موافقته أو رفضه عليها.
«المركزي» لم يجد ما يبرّر مثل هذا الطلب الكبير على الشقق السكنية. فمن المعروف أن الاسعار في السوق تراجعت إلى حدود كبيرة فيما تحوّل تجار العقارات إلى رهائن للديون المصرفية، فمن أين أتى هذا الطلب كلّه؟ والأغرب من ذلك، أنه نتيجة تتبّع حجم الطلب على التمويل السكني على فترات زمنية مختلفة، تبيّن لمصرف لبنان حصول طلب غير مبرّر على الشقق ولا يمكن تفسيره إلا من خلال أمرين: حصول معجزة في السوق العقارية حفّزت نموّ الطلب بوتيرة متسارعة وكبيرة، أو أن المصارف فاقمت من وتيرة مخالفاتها لشروط منح القروض المدعومة وإفادة من لا يستحق.


المصارف استنفدت كل المبالغ المخصصة للدعم السكني خلال فترة قياسية


ما عزّز فكرة وجود المخالفات، أنها ليست المرّة الأولى. ففي السنوات الماضية عمد عدد من المصارف إلى منح قروض سكنية مدعومة لمضاربين عقاريين. ولم تظهر حقيقة هذه القروض التي بقيت مكتومة لسنوات، إلى أن انفجرت أزمة السوق العقارية ولم يستطع المضاربون بيع الشقق التي اشتروها بالقروض المدعومة، ما اضطر بعض المصارف الى إعادة تصنيف الزبائن لتضع قسماً منهم ضمن الديون المتعثرة والديون المشكوك في تحصيلها. لاحقاً اتضح حجم المشهد بعدما أصبحت لائحة المصارف المخالفة كبيرة وتتضمن مخالفاتها مئات المقترضين من المضاربين.
ويبدو أن الامر تكرّر اليوم رغم تغيّر الظروف المتعلقة بالعرض والطلب. فالمشكلة التي ظهرت أن هناك رغبات استثمارية في سوق العقارات نظراً إلى انخفاض الاسعار ما أتاح للزبائن قدرة عالية على التفاوض وانتزاع حسومات من تجار العقارات لم تكن متوافرة سابقاً. بدورها، المصارف بدأت تموّل هذه العمليات الاستثمارية بواسطة القروض المدعومة مع علمها بمخالفة ذلك لشروط منح القروض المحدّدة من مصرف لبنان.
انكشاف الأمر أمام «المركزي» استدعى توقيف برنامج القروض المدعومة فوراً. إلا أن هذا الأمرلم يكن السبب الوحيد. إذ لعبت التطورات النقدية التي سبقت احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية وما تلاها دوراً اساسياً في وقف البرنامج وتعديله. ففي تشرين الثاني شجّع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المصارف على رفع أسعار الفائدة. وبالفعل، أصدرت المصارف تعميماً يرفع الفوائد على المرجعية على الليرة إلى 10.65% بدلاً من 8.65%، ثم تبعتها أسعار الفوائد على إيداعات الدولار لترتفع من 4.5% إلى 7%. تلقائياً ارتفعت أسعار الفوائد على القروض لتغطية الكلفة التي تدفعها المصارف لاستقطاب الأموال لتصبح برامج دعم القروض السكنية غير قادرة على تحقيق أرباح للمصارف. أي أنه تحتّم رفع أسعار الفائدة على القروض السكنية التي تمثّل أكثر من ربع محفظة التسليفات المصرفية لتجنيب المصارف خسائر.
كذلك، تبيّن أن المصارف متخمة بسيولة كبيرة بالليرة اللبنانية لا تجد مسرباً لتصريفها إلا من خلال تحفيز القروض. هذه المرّة جاء التحفيز بالطرق غير النظامية، أي من خلال مخالفة شروط منح القروض.
ومن اللافت أن هذه التطوّرات، أي رفع الفائدة وحجم السيولة في السوق وعدم قدرة المصارف على استقطاب الدولارات من الخارج، يتطلب إدارة أكثر تشدداً للسيولة المصرفية، أي أنه لا يجب في أي وقت من الأوقات أن يضخّ مصرف لبنان سيولة يمكن أن تخلق طلباً على الدولار. سيولة من النوع المتعلق بالمضاربات العقارية في عزّ أزمة العقارات، أي في عز انخفاض الأسعار، قد ترفع الطلب على الدولار نتيجة تسييل المضاربين لاستثماراتهم وتحويل أموالهم إلى الدولار وتهريبها إلى الخارج.




4.25% فوائد «قرض مصرف لبنان»


قبل 12 شهراً خفّض مصرف لبنان أسعار الفوائد على القروض السكنية تبعا لمصدر تمويلها. الفوائد على القروض المعروفة باسم «قروض مصرف لبنان» تعطى ضمن آلية ينصّ عليها التعميم 313 الذي يشير إلى أن المصارف تحصل على قروض من مصرف لبنان بفائدة 1% مقابل إقراضها في السوق، سواء عبر المؤسسة العامة للإسكان أو غيرها، فأصبحت الفائدة عليها 3.75%، لكنها سترتفع اليوم إلى 4.25%. أما القروض التي كانت تتعلق بالإعفاء من الاحتياط الالزامي، فقد ألغاها مصرف لبنان من اساسها ولم يعد هناك مجال لاستعمالها من المصارف، وهي كانت 3.25%.




فوائد مؤسسة الإسكان وباقي البروتوكولات

مصادر في مصرف لبنان أوضحت أنه ليس نهائياً أو محسوماً كيف سيتم التعامل مع فوائد المؤسسة العامة للإسكان وباقي القروض المدعومة بموجب بروتوكولات مثل الجيش والقوى الأمنية والقضاة وسواهم. سعر الفائدة التي كان يحصل عليها الجيش على سبيل المثال، تبلغ 1.6% للقروض الممولة بواسطة الاحتياط الالزامي (هذا النوع من القروض ألغي بعد الغاء آلية الدعم عبر الاحتياط الالزامي قبل فترة وجيزة)، وكانت 2.2% على القروض المدعومة بواسطة قروض مصرف لبنان، إلا أن الجيش كان يحصل على 1.6% بغضّ النظر عن مصدر التمويل. وعندما ارتفعت أسعار الفوائد في تشرين الثاني حاولت بعض المصارف أن ترفع الأسعار إلى أكثر من 2.2% ما دفع قيادته إلى رفض التعامل مع هذه المصارف والانتقال إلى مصارف أخرى وافقت على إبقاء معدلات الفوائد ضمن 1.6% آملة في ان تبيع بوالص تأمين وتنقل توطين الرواتب إلى حساباتها.