أثار التراشق السياسي ــ الإعلامي الأخير وما تبعه من تحركات في الشارع بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وفريقه من جهة ووزير الخارجية جبران باسيل وفريقه من جهة أخرى جملة من الأسئلة الحسّاسة حول التنافر الكامن بين الطرفين. هذا التنافر الذي تحوّل إلى مواجهة كادت أن تطيح بأوّل محاولة جادة وصادقة وصافية بين فئتين من المجتمع اللبناني: الشيعة والمسيحيون، محاولة تهدف الى صياغة منظومة علاقات يحكمها الاحترام المتبادل، تفهم هواجس الآخر وتكريس حدود اطمئنان بعدم السعي الى الغلبة من أية فئة على فئة أخرى.


في 6 شباط 2006 لم يكن الحدث محلياً فقط بل كان أيضاً إقليمياً ودولياً. على المستوى المحلي، شكَّل التفاهم الذي توَّجَهُ اجتماع سماحة السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون آنذاك في كنيسة مار مخايل بما تحمله من رمزية حرب، شكَّل تجاوزاً إيجابياً لتقاعس طبقة «الطائف» السياسية في تطبيق الإصلاحات «الدولتية» بما يضمن تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين اللبنانيين بدل الاكتفاء بالمحاصصة وتوزيع المغانم وقوننة منظومات فساد وتجذيرها في مفاصل الدولة.
كانت الحاجة لهذا التفاهم ثنائية، فالحزب مغدور من تحالف رباعي كان رافعته الأساسية لكنه ما لبث أن تحول انقلاباً عليه على الرغم من تقديمه السلطة والدولة لتلك الطبقة درءاً لفتنة أو تأجيلاً لها كما تبين لاحقاً، والتيار يشكو من عزلٍ وفّر له عصبية انتخابية مسيحية لكنها لم تمنحه شراكة وطنية مع طرف وازن بما يُمَكِّنُهُ من تحويل رؤيته في الإصلاح والتغيير الى وقائع قانونية وتنفيذية. كذلك كانت حاجة معظم اللبنانيين الى تَلَمُّس تغيير تدريجي ما في الواقع السياسي بعد إخراج سوريا من لبنان قسراً ونجاح طبقة «الطائف» نفسها إعلامياً وسياسياً في إلصاق تهمة تعثّر قيام الدولة القادرة والعادلة والنزيهة في لبنان بالقيادة السورية.
على المستوى الإقليمي، كانت عيون السيد نصرالله وإخوته في قيادة المقاومة شاخصة نحو الجنوب والاحتمالات التي وصلت الى حد اليقين بأن العدو الإسرائيلي يتجهز لحرب طاحنة وشرسة ضد لبنان كخطوة مكملة لنزع الغطاء الإقليمي عن المقاومة بفعل الخروج السوري، والذي كان مهرجان الثامن من آذار تحت عنوان «شكراً سوريا» أوّل رد على هذه الخطوة. وكان أيضاً الهاجس الآخر البحث في كيفية توفير حضن داخلي موثوق يقف سدّاً بوجه لعبة «الأكورديون» المُعَدَّة لحصار المقاومة بين أنين أهلها وجمهورها من جهة وآلة العدوان العسكرية المدمّرة الإسرائيلية من جهة مقابِلة.
في الوقت ذاته، كان طرف التفاهم الثاني العماد عون وتياره يبحث عن مدىً إقليمي مفتوح يعوضه عن العزل الطويل والمستمر، ويسمح له بتكوين شبكة علاقات مسيحية مشرقية يكون عمادها استعادة المسيحيين في لبنان لموقعهم الريادي الوطني والعربي التاريخي من خلال مشاركتهم الفعالة والفاعلة في القرار السياسي. وفي هذا السياق، كان الاستعداد لصياغة علاقات صداقة شريفة مع القيادة السورية والتي ساهم حزب الله بشكل عملي في تحضير مقدماتها. إضافة الى ذلك، رغبة العماد عون وسعيه الى نقل المزاج المسيحي اللبناني من الرهان التقليدي على الاستفادة من الرياح الدولية والإقليمية ومنها الإسرائيلية لتأكيد حضور المسيحيين ومشاركتهم في السلطة.
على المستوى الدولي، كان يعلم العماد عون القادم من تجربة التواصل المباشر والمؤثر مع الكثير من المرجعيات الدولية وبالأخص منها الفرنسية والأميركية أن التفاهم مع حزب الله المرتبط بالمرجعية الإيرانية والمقاوم للمشاريع الأميركية والإسرائيلية ستكون له أثمان ربما باهظة تطاله شخصياً وتطال تياره والفئة اللبنانية التي يمثلها وخصوصاً منها تلك المنتشرة في قارات العالم. وكان سماحة السيد يعلم أيضاً أن الهجمة الأميركية ــ الفرنسية على لبنان التي تم الاتفاق على عناوينها وتفاصيلها في لقاء «النورماندي» الشهير بين جورج بوش الابن وجاك شيراك والتي بلغت ذروتها في اغتيال الرئيس رفيق الحريري لن تتوقف، بل إنها ستزداد شراسة بمساعدة سعودية وبمشاركة لبنانية.
في حالة العماد وتياره وفي حالة السيد وحزبه كانت مغامرة قرر الطرفان خوضها وتَحَمُّل مخاطرها التي امتحنتها على مدى 12 عاماً، كذلك كانت ويجب أن تبقى نموذجاً متقدماً يحتذى به في صياغة علاقات سياسية ــ أهلية بين اللبنانيين، وعلامة فارقة في حرصهم على بعضهم البعض، على أمل أن لا تترك الأزمة الأخيرة ندوباً تشوّه جسد هذا التفاهم.
لذلك كلّه لا بد من التمييز بين تاريخي 6 شباط 1984 و6 شباط 2006. فالجالس على كرسي الرئاسة اليوم ليس الرئيس أمين الجميل بما كان يحمله من تبعات سياسية سبقت وصوله الى قصر بعبدا وما قام به من أداء سياسي أدى الى انتفاضة الضاحية في 27 آب 1983 وانتفاضة بيروت في 6 شباط 1984. والمقدمات التي حملت العماد عون ليست ذاتها التي استحضرت الرئيس الجميل، كذلك الرافعات المحلية والإقليمية، وهو أمرٌ غاية في الأهمية من حيث مدلولاته. وبالتالي لا يصح إستحضار مناخ صراعات طائفية أو سياسية مشابهة لتلك التي إعتمدت آنذاك ضد الجميل.
الرئيس ميشال عون ليس إلهاً من تمر صنعناه وحان وقت أكله. هو حالة قائمة بذاتها شعبياً وسياسياً ووطنياً لا بد من إعطائها الفرصة المؤاتية لتقديم ما لديها من رؤى وأفكار إنقاذية للدولة والوطن، والفرصة مسؤولية تفرض على الرئيس عون الإشراف المباشر على خطاب وأداء تياره وقيادته.
* المدير العام السابق
لوزارة الإعلام