طهران ــ الأخبار

في قاعة ضخمة في وزارة الداخلية احتشد المئات، معظمهم من الشبان، للتعرّف أكثر إلى القائد الجهادي الشهيد عماد مغنية. في الصف الأول، حضرت فلسطين: الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ القيادة العامة» أحمد جبريل، ونائب رئيس المكتب السياسي لـ«حركة حماس» صالح العاروري، ونائب الأمين العام لحركة «الجهاد الإسلامي» زياد نخالة.

المسرح المعد لإحياء الذكرى العاشرة لاستشهاد الحاج عماد مغنية، خطف الضوء منه قائد «قوة القدس» في «حرس الثورة» الجنرال قاسم سليماني. ببزته العسكرية، ظهر هادئاً، كعادته، وبابتسامة خجولة صافح كل ضيف، وتسلّم الرسائل التي حرص أصحابها على إيصالها باليد.
بقيت الأعين شاخصة عليه حتى موعد صعوده إلى خشبة المسرح. في كلمته، ذاب حضور «الحاج قاسم» بصديقه «الحاج رضوان». لنحو ساعة ونصف ساعة، دامت كلمة الرجل القليل الظهور أمام الإعلام. صفات الشهيد مغنية كما عرفه تكررت على لسانه.
قبل دقائق، كان الجنرال الإيراني يمسح دموعه خلال عرض فيديو قصير عن حياة «رضوان»، إلا أن صوته المتهدج والدموع التي انسابت، حكت ما كان يعتمل في قلبه. البكاء بالنسبة إلى سليماني ليس دليل ضعف، مستشهداً بمغنية الذي «كان يبكي فرحاً عندما يصله خبر نجاح عملية»، بحسب ما «شاهدته بنفسي».
للمرة الأولى، ظهر قائد «قوة القدس»، للحديث عن صديقه الشهيد. تحدّث عن ميزاته، وتكلم مع الحضور كأنه يعرف كل واحد منهم. حكى عن عماد ابن الإمام الخميني، وعن مغنية ابن الثورة الفلسطينية، وعن مغنية قائد المقاومة اللبنانية، وعن مغنية داعم المقاومة العراقية، وعن «رضوان» ناصر المستضعفين.
أصرّ سليماني على ذكر صفات «راز رضوان»، لأنه كما قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله سابقاً: «حق الشهيد على هذه الأمة أن تعرفه من أجلها لا من أجله». روى بعض ما عايشه مع «رضوان»، ذاكراً تواضعه وعدم حبه للظهور أو الحديث عن إنجازاته العسكرية: «من أبرز خصوصيات الشهيد عماد مغنية أن الدنيا لم تستهوِه، وهذا فضلاً عن أنه كان متواضعاً ولا يحدّث أحداً بإنجازاته على الرغم من أنه هو الذي يصنعها». كذلك تحدث عن العلاقة الخاصة والحميمة بين السيد نصرالله ومغنية. وكيف كان «رضوان» لا يفارق «السيد» إذا كان «يشعر بضيق إلا بعد أن يزيل الهم عن قلبه ويعيد الابتسامة إلى وجهه».
وصف سليماني مغنية بأنه «شخصية أسطورية أوجد استشهاده تغييراً في الساحة الإسلامية». فهو «لم يكن مسؤولاً بل كان قائداً، وكان سبّاقاً وفي المقدمة دائماً، وكان يدير العمليات بنفسه. كان معلماً، لكنه يتصرف كالتلميذ ويستفيد من جميع التجارب لنقلها إلى المجاهدين». ذكر «الحادثة الشهيرة»، عندما «طلب أحد الشباب من رضوان (لم يكن يعرفه) جلي الصحون، وهو ما فعله الحاج من دون اعتراض». وعن التزام مغنية بقرار القادة، قال إنه «حين كانت تختلف رؤية الشهيد مغنية مع رؤية السيد حسن نصرالله، كان يبادر إلى تنفيذ أمر السيد نصرالله والالتزام به، فهو في هذا المجال كان بمثابة مالك الأشتر بالنسبة إلى الإمام علي عليه السلام».


لم يفارق «رضوان» السيد نصرالله إذا كان يشعر بضيق إلا بعد أن يزيل الهمّ عن قلبه


بعد حديثه عن الجانب الإنساني، حكى سليماني عن بعض إنجازات مغنية العسكرية، فهو «أول من حيّد البحرية الصهيونية التي لعبت دوراً حيوياً في العدوان على لبنان».
مغنية لم يكن محصوراً بحدود وطنه، بل كان «يؤمن باستخدام كل الإمكانات الجهادية لتركيع الأعداء، ومن هذا المنطلق فإنه كان على صلات وثيقة بحركات المقاومة الفلسطينية»، لافتاً إلى دوره «في تحويل قطاع غزة من أرض مُحتلة إلى قلعة حصينة ضد الاحتلال الصهيوني».
أما عن الرد على اغتيال مغنية، فرأى أن «قصاص دم عماد ليس بإطلاق صاروخ أو قتل شخص، وإنما بإجتثاث الكيان الصهيوني» مؤكداً: «لن ننسى الشهداء أبداً، وقبل أن ننام كل ليلة نفكّر بأعدائنا».
من جهته، قال الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ القيادة العامة»، أحمد جبريل، إن «قدر الشخصيات الفاعلة في أمتنا السير على الأشواك، والشهيد مغنية هو النموذج لذلك»، لافتاً إلى أن «إبداعات الشهيد مغنية تجلت في انتصار 2006 فبات في نظر الأعداء الأسطورة التي دبّت الرعب في قلوبهم».
وأكّد جبريل أن «مغنية ساهم في انتصارات غزة من خلال إيصال السلاح والدعم».
في السياق نفسه، أكد مستشار قائد الثورة الإسلامية للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، أن «رجال الصحوة الإسلامية كانوا على مر الزمان مدافعين عن القضية الفلسطينية، وأن القضاء على وصمة العار المسماة الكيان الصهيوني سيتم بإذن الله». وشدد على أهمية الوحدة الإسلامية «التي لولاها لما تحررت بيروت وبغداد وغيرهما من يد داعش والمجموعات الإرهابية الأخرى».
ختاماً، قال عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ نبيل قاووق إن «عماد مغنية عاش وقاوم واستشهد لأجل فلسطين. لقد كانت فلسطين كل حياته، حمل قضيتها وبندقيتها منذ الطفولة منذ كان عمره 13 سنة، ومنذ العملية الاستشهادية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي في صور مستهدفاً الحاكم العسكري، هناك كسر الحاج عماد كل معادلات التفوق الإسرائيلي، وأسس للبنان وفلسطين والأمة فجر الانتصارات». وقال إن مغنية «كان يطيب له أن يوصف بالجندي الوفي المطيع للإمام الخميني والإمام الخامنئي».
عند انتهاء البرنامج، همّ الجميع للخروج من القاعة، فيما اخترق الصفوف ثلاثة أطفال متجهين نحو سليماني. وقف الأخير حاضناً «ضيوفه»، موزعاً القبلات على وجناتهم. أسدلت الستارة عن «ذكرى عماد المقاومة» لتفتح القنوات الإيرانية بثها من جديد: «هل سمعتم رسالة السردار (القائد) لإسرائيل».




«السلام على بنات العائلة»

في غرفة صغيرة داخل الوزارة، انتظر الوفد الإعلامي القادم من لبنان بدء الحفل التكريمي. وبينما كان الضيوف يتناولون الحلوى قبل المؤتمر المنتظر، «اقتحم» قاسم سليماني بزيّه الزيتي المكان. اختفت قطع الحلوى من الأفواه. وقف الجميع، فيما كان «الحاج» الذي اعتادوا رؤيته على الشاشات يصافحهم فرداً فرداً. جلس الجنرال للسلام والترحاب قبل أن ينتقل إلى الطاولة المجاورة، قائلاً للإعلاميين «عذراً، أريد السلام على بنات العائلة». انتقل إلى حيث ابنة الشهيد عماد مغنية وشقيقته، وأقرباء وضيفات أخريات. بوجه أبوي، جلس سائلاً عن أحوالهنّ، قبل أن ينزل الجميع نحو قاعة الحفل.